حروب المسيَّرات وخرائط الغاز: الشرق الأوسط يتأرجح بين “الاتفاقات الإطارية” وحافة الهاوية 

 

إعداد/محمد عبدالرحمن احمدعالي – الضمير الإخباري.

في مفارقة صارخة تلخص تعقيدات الميكانيزمات الحاكمة للسياسة الدولية اليوم، يشهد الشرق الأوسط حراكاً دراماتيكياً متزامناً؛ فبينما كانت العاصمة الأمريكية واشنطن تحتفي بانتزاع “اتفاق إطاري” تاريخي بين لبنان وإسرائيل، كانت مياه الخليج العربي وسواحل إيران الجنوبية تتفجر بلغة الصواريخ والمسيَّرات الانقضاضية، مما يضع أمن الطاقة العالمي واستقرار الممرات المائية الدولية أمام اختبار هو الأعنف منذ عقود.

هذا التصعيد الحاد يأتي بدقة في اليوم العاشر لتوقيع مذكرة التفاهم الهشة بين واشنطن وطهران، وبعد 120 يوماً من اندلاع حرب إقليمية طاحنة بدأت تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي، وعلى حسابات النخبة السياسية داخل البيت الأبيض المقبِل على منعطف انتخابي حاسم.

1. قراءة في ديناميكيات التصعيد: من أعالي البحار إلى جبهات الحلفاء

تسارعت الأحداث فجر اليوم بشكل يوضح رغبة الأطراف في فرض قواعد اشتباك جديدة تحت النار:

  • جبهة الخليج والمسيَّرات: أدانت مملكة البحرين بأشد العبارات استهداف أراضيها فجر اليوم بطائرات مسيّرة إيرانية، وهو تطور نوعي ينقل الصراع مباشرة إلى عمق الحلفاء الإقليميين لواشنطن.
  • الرد الأمريكي المتكافئ: جاء هذا التصعيد بعد إعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن توجيه ضربات جوية مساء الجمعة ضد نقاط على السواحل الجنوبية لإيران، رداً على استهداف طهران لسفينة شحن تجارية بطائرة مسيرة هجومية.
  • البحرية الإيرانية والرد المقابل: 
  • في المقابل، أدانت الخارجية الإيرانية الغارات الأمريكية، وأعلنت بحرية الحرس الثوري فوراً عن استهداف نقاط تمركز لجيش الولايات المتحدة في المنطقة، في إشارة إلى تفعيل استراتيجية “الردع المتبادل والمباشر”.

2. ميكانيزمات الصراع: صراع الهيمنة ومعادلة “تسييس الطاقة

منظور العلوم السياسية يفسر هذا الانفجار العسكري بأنه جولة متقدمة من “حرب الممرات والنفط”. فإيران، تاريخياً، تعي أن خنق الممرات البحرية (مضيق هرمز وباب المندب) أو تهديد حركة السفن التجارية هو السلاح الجيوسياسي الأكثر فاعلية للضغط على الخصوم وإجبار المنظومة الغربية على تقديم تنازلات اقتصادية.

توقيت ضرب السفينة التجارية والسواحل الإيرانية يمثل محاولة من طهران لإثبات أن “مذكرة التفاهم” الموقعة قبل عشرة أيام مع واشنطن لن تحجم أوراق قوتها الإقليمية، وأن أي إخلال بملف رفع العقوبات سيقابله اشتعال فورى في أسعار النفط العالمية عبر تهديد خطوط الإمداد.

3. “اتفاق واشنطن” (لبنان – إسرائيل): التهدئة التكتيكية لخدمة التوريد

في مقلب آخر من المشهد، وقّع لبنان وإسرائيل مساء الجمعة “اتفاقية إطارية” بوساطة أمريكية بعد 4 أيام من المفاوضات الشاقة في واشنطن. هذا الاتفاق الذي يؤكد حق الدولتين في الوجود بسلام بوصفهما دولتين ذواتي سيادة، لا يمكن فصله عن صراع الطاقة؛ فالولايات المتحدة ضغطت بكل ثقلها لإنجاز هذا الإطار لتأمين حقول الغاز في شرق المتوسط (كاريش وقانا وغيرهما) وضمان استمرار تدفق الغاز نحو أوروبا الحليفة.

ومع ذلك، تظل الشياطين كامنة في التفاصيل؛ إذ نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن مصدر عسكري أن الجيش الإسرائيلي سيبقى مرابطاً عند حدود “الخط الأصفر” إلى حين استكمال نزع سلاح حزب الله وإثبات قدرة الدولة اللبنانية على السيطرة. هذا الشر يمثل “قنبلة موقوتة” قد تفجر الاتفاق الإطاري في أي لحظة، باعتبار أن سلاح الحزب مرتبط عضوياً بـ”بنية الردع الإقليمية” لجمهورية إيران.

4. المأزق الداخلي لـ “ترامب” وترقب الانتخابات الأمريكية

يقع هذا الصراع في قلب التجاذبات السياسية داخل الولايات المتحدة، حيث يواجه الرئيس دونالد ترامب ضغوطاً داخلية شرسة:

  • الاستنزاف والوعود الانتخابية: ترامب الذي صعد بشعار إنهاء “الحروب اللانهائية” يجد نفسه بعد 120 يوماً من الحرب الإقليمية متورطاً في تبادل ضربات مباشر مع إيران، وهو ما تستغله المعارضة الديمقراطية لإظهار فشل إدارته في احتواء الأزمات الدولية.
  • ترقب الصندوق الانتخابي: مع اقتراب الانتخابات الأمريكية، تصبح أي قفزة في أسعار وقود التجزئة (بسبب توترات الخليج) بمثابة انتحار سياسي لإدارة ترامب. لذا، تحاول واشنطن ممارسة لعبة خطرة: “الرد العسكري المحدود لردع إيران، بالتوازي مع هندسة اتفاقات غاز في المتوسط لتهدئة الأسواق”.

5. تذمر الحلفاء وتداعيات الاقتصاد العالمي

لم يعد حلفاء واشنطن – سواء في أوروبا أو الخليج – قادرين على تحمل كلفة هذا الاستنزاف الطويل:

  • التذمر الأوروبي: تعاني العواصم الأوروبية من وطأة التضخم والاضطراب المستمر في سلاسل التوريد عبر البحر الأحمر والخليج العربي، وترى أن سياسة حافة الهاوية الأمريكية الإيرانية تهدد أمنها القومي والاقتصادي بشكل مباشر.
  • القلق الإقليمي: استهداف أراضي البحرين اليوم بالمسيّرات يعكس مخاوف دول الخليج من تحول أراضيها ومنشآتها الحيوية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران، مما يفسر رغبة بعض القوى الإقليمية في إيجاد مسارات دبلوماسية مستقلة بعيداً عن الصدامات الأمريكية.

6. الرؤية المستقبلية: إلى أين يمضي الصراع؟

تتأرجح السيناريوهات المستقبلية بناءً على المعطيات الراهنة بين مسارين:

  • السيناريو الأول (الاحتواء المنضبط):
  •  أن تؤدي هذه الضربات المتبادلة (سواحل إيران مقابل المسيّرات في الخليج) إلى “توازن رعب” يدفع الطرفين للعودة إلى طاولة المفاوضات لتفعيل مذكرة التفاهم الموقعة قبل عشرة أيام، بحيث يتم تبريد الجبهات تدريجياً لضمان تمرير الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي كإنجاز سياسي لترامب قبل الانتخابات.
  • السيناريو الثاني (الانفلات الشامل):
  •  وهو الأكثر خطورة، ويتمثل في أن تؤدي شروط إسرائيل الصعبة في جنوب لبنان (الخط الأصفر ونزع سلاح حزب الله)، مع تكرار استهداف الحلفاء بالمسيَّرات، إلى انهيار كامل لمذكرة التفاهم؛ مما يدفع نحو حرب شاملة تقع في قلبها منشآت النفط والغاز، وهو ما قد يدخل الاقتصاد العالمي في موجة ركود غير مسبوقة.

خلاصة القول: إن الشرق الأوسط يعيش اليوم صراعاً تدار فيه المعارك بـ”المسيّرات الذكية” وتصاغ فيه الاتفاقيات بـ”الخطوط الملونة”، لكن المحرك الأساسي له يظل ثابتاً: من يسيطر على تدفقات الطاقة، ومن يملك القدرة على خنق الآخر في اللحظة الحرجة قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *