إعداد: محمد عبد الرحمن أحمد عالي
في خطوة سياسية مرتقبة، وعلى وقع تصاعد حدة التجاذبات الداخلية، صادق المكتب السياسي لحزب “الإنصاف” الحاكم في موريتانيا، يوم السبت، على خطة شاملة لتجديد هياكله الحزبية.
هذه الخطوة، التي وصفها الحزب في بيانه الختامي بأنها “محطة أساسية لتعزيز فعالية الأداء وتوسيع المشاركة الداخلية”، تأتي في سياق سياسي حساس جداً، يتسم بارتفاع لافت لأصوات “المغاضبين” داخل أروقة الحزب، والتي تعبر منذ فترة عن استيائها من التهميش واقصاء بعض القيادات والقواعد، بالإضافة إلى انقسامات حادة حول آليات اتخاذ القرار وتوزيع النفوذ.
قراءة في أبعاد الخطوة:
يرى مراقبون أن إقرار خطة التجديد في هذا التوقيت بالذات يحمل دلالات سياسية عميقة، يمكن تحليلها على النحو التالي:
احتواء غضب القواعد : تشكل دعوة المكتب السياسي لتجديد الهياكل محاولة مباشرة لامتصاص حالة التذمر الحزبي. فعبارة “ضخ دماء جديدة” و”توسيع المشاركة” هي رسائل طمأنة تهدف إلى إعطاء الانطباع بأن قيادة الحزب مستعدة للاستماع للأصوات الناقدة وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، مما قد يساهم في لجم التمرد الداخلي، ولو مؤقتاً.
تحذير “المتمردين” وإعادة ترتيب البيت: لم تقتصر توصيات المكتب السياسي على الدعوة للتجديد، بل تضمنت تحذيرات مبطنة وقوية. فالتركيز على “ترسيخ مبادئ الانضباط” و”عدم تزكية أي أحزاب أو جهات سياسية أخرى خارج الأطر الحزبية” يعكس قلق القيادة من مغبة خروج المغاضبين عن عباءة الحزب، وربما تشكيل قوائم منافسة في الاستحقاقات المقبلة.
هذه التوصيات تمثل محاولة حازمة لإعادة فرض الانضباط الحزبي.
تعزيز التماسك قبل الاستحقاقات: يسعى حزب “الإنصاف”، كأي حزب حاكم، إلى ضمان أعلى درجات التماسك الداخلي قبل خوض أي معركة انتخابية. خطة التجديد قد تكون وسيلة لإعادة هندسة الهياكل بطريقة تضمن ولاء الفروع والقواعد للقيادة المركزية، وتحد من تأثير “الجيوب المتمردة”.
التداعيات المحتملة على مستقبل الحزب وصراعاته الداخلية:
إن نجاح هذه الخطوة في تحقيق أهدافها المعلنة وتأثيرها على الصراعات الداخلية يظل محفوفاً بالعديد من التحديات، ويمكن تلخيص التداعيات المحتملة في السيناريوهات التالية:
أولاً: سيناريو الاحتواء والهدوء النسبي:
إذا تم تنفيذ عملية التجديد بنزاهة وشفافية، وفتحت المجال فعلياً أمام تمثيل حقيقي للقواعد، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع حدة الانتقادات وإعادة الثقة بين القيادة والقواعد. وفي هذه الحالة، سيتعزز التماسك الداخلي للحزب.
ثانياً: سيناريو الانقسام وتعمق الأزمة (الأرجح حسب المراقبين):
غالباً ما تشكل عمليات تجديد الهياكل في الأحزاب السياسية فرصة لتصاعد الصراعات حول المناصب والنفوذ. فإذا ما شعر “المغاضبون” بأن عملية التجديد هي مجرد عملية تجميلية تهدف إلى إقصائهم وتكريس هيمنة جناح معين، فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى:
زيادة حدة المغاضبة: قد يترجم التهميش في الهياكل الجديدة إلى انشقاقات علنية، أو تصريحات إعلامية هجومية ضد القيادة.
التمرد الانتخابي: وهو الأخطر، ففي هذه الحالة قد يلجأ المغاضبون إلى ترشيح أنفسهم أو دعم مرشحين منافسين تحت لافتات أحزاب أخرى، مما سيؤدي إلى تشتيت أصوات الكتلة الناخبة للحزب الحاكم ويقلل من فرصه في الفوز، خاصة في الدوائر التي يتمتع فيها هؤلاء المغاضبون بنفوذ محلي.
إضعاف الحزب: الانشغال بالصراعات الداخلية المستمرة سينعكس سلباً على الأداء السياسي للحزب وقدرته على التواصل مع الناخبين.
مضامين أخرى في بيان الحزب:
إلى جانب ملف تجديد الهياكل، تطرق بيان المكتب السياسي إلى قضايا وطنية هامة، مثل الملف الأمني على الحدود، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية (توفير الخدمات الأساسية مع قرب الصيف)، وحذر بشدة من خطاب الكراهية، مجدداً تمسكه بخيار الحوار الوطني.
باختصار، يواجه حزب “الإنصاف” تحدياً مزدوجاً: فمن جهة، هو مطالب بإثبات فعاليته كحزب حاكم، ومن جهة أخرى، يجد نفسه مضطراً للتعامل مع تصدعات داخلية تهدد كيانه. إن خطة تجديد الهياكل هي سيف ذو حدين؛ فإما أن تكون طوق نجاة لإعادة توحيد الصفوف، أو أن تتحول إلى صاعقة تفجر أزمة أعمق قد ترسم ملامح جديدة للخارطة السياسية الموريتانية قبيل الانتخابات المقبلة.
طريقة تنفيذ هذه الخطة ومدى قبول الأطراف المتصارعة لنتائجها هي المحك الحقيقي لتحديد مستقبل الحزب وتماسكه.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل