الهلوسة والتملاح : القناع الذي يخفي وجوه الظلم والفساد/عبد الرحمن أحمد عالي

الهلوسة والتملاح مصطلحان جديدان في تركيبهما، باتا حديث الساعة ومصدر رعب للجميع، حيث يخشى البعض أن تكون في طعامه مادة مهلوسة، والبعض الآخر يخشى من التملاح. لكن ما لا يعلمه الجميع أن مصطلح الهلوسة والتملاح بات جزءًا من ثقافة شريحة كبيرة في هذا المجتمع، تمارسه في جميع جوانب الحياة السياسية بشقيها الداخلية والخارجية، والاجتماعية والاقتصادية والدينية، وتتخذه ديدنًا للوصول إلى أي هدف تسعى لتحقيقه.

في المجال السياسي، يسعى القوم لإيهام الناس بسيطرتهم على مجموعة بشرية في رقعة جغرافية معينة، تربطهم بها قرابة أو لا تربطهم أصلًا. المهم أن يتقنوا فن الهلوسة والتملاح لكي يكسبوا الرهان ويحصدوا منافع سياسية تنتج أخرى اقتصادية على حساب البسطاء الذين أنهكتهم ظروف الحياة القاسية.

المهلوسون يوهمون الجميع أن التعامل مع أي فرد من رعيتهم دونهم يعتبر خطأ فادحًا وجرمًا سياسيًا غير مقبول. فهم في نظرهم قصر، ولا حق لهم في الحديث عن أنفسهم أو التصرف دونهم مع أي جهة.

وهناك آخرون يمارسون هلوسة وتملاحًا من نوع آخر، حيث يعيشون في الماضي محاولين الاستناد إلى تاريخ أجدادهم، متخذين من ذلك الإرث مطية للحصول على حظوة ومكانة لا يستحقونها اليوم كأفراد، نظرًا لممارستهم الهلوسة والتملاح في كل جوانب حياتهم. وهذه المحاولة محكوم عليها بالفشل، لأن الميزان الحقيقي للإنسان اليوم وقيمته تحدد انطلاقًا من تصرفاته وأخلاقه ومعاملاته مع البشر ومكانته في نظرهم، لا على انتمائه لتاريخ مشرق لأجداده الذين غادروا الدنيا، ولم يسر هو على خطاهم بل سار عكس التيار، معتبرًا أن مجرد الانتساب لتلك الفئة يعطيه الحق في مكانة لا يستحقها ومنصبًا لا يستحقه بالمقارنة مع من هم معهم في حلبة المنافسة.

البعض الآخر من المهلوسين والملاحة يتخذ من لونه وسيلة للعب دور الضحية والعزف على سنفونية مشروخة عفا عليها الزمن، ولم تعد تنطلي على طفل رضيع، مفادها أنه ضحية العبودية والعنصرية.

وتعدد الحركات والتيارات التي تحاول استخدام لونها لرسم صورة الضحية والحصول على حظوة ليس خطرًا على المجتمع ولا على الدولة، لأن أغلب هذه التيارات لا تستند إلى عقيدة فكرية ولا عرق بشري، ويسندها عند الحاجة، لذلك لا خوف منها، وربما تكون ظاهرة إيجابية تعبر عن تنوع الآراء في الساحة.

من المهلوسين والملاح من يتعدى إجرامه حدود الوطن ليعربد خارجه، ويحمل مشاكله الفردية في وطنه إلى الخارج، مقدمًا نفسه للخارج على أساس أنه ضحية وطنه وظلمه.

هذه المجموعة التي تحاول وصف الوطن بالظالم ربّت أجيالًا على نفس النهج لكي تكمل مسيرتها.

هذا الجيل وجد ضالته في بعض من أبناء هذا الوطن الذين شطت بهم صروف النوى في غياهب الغربة بحثًا عن الحلم الأمريكي القائم على الثراء السريع، وأقنعهم بالسير معه في منهجه، مؤكدًا لهم أن هذا المنهج هو أسرع طريقة للحصول على أوراق في بلاد العم سام. فطفق المساكين في سرد قصص خيالية من الكذب، يقدمون من خلالها أنفسهم للسلطات هناك كضحايا للعنصرية والتهميش والغبن، ليعززوا بغبائهم أسهم أطراف أخرى تصف الوطن بالعنصرية والظلم.

ثقافة الهلوسة والتملاح مكنت أصحابها من احتكار المنافع السياسية والحظوة، لتظل المنافع والمكاسب والمناصب الوظيفية رعيالها هي وحدها وسلالتها تتوارثها كما يتوارث أبناء الملوك تاج أبيهم الملك، متناسية حقيقة واضحة كشمس رابعة النهار في رمضاء مكة، مفادها أن عودة أمجاد الماضي ضرب من الخيال، وكان أبي وإنجز أبي لم تقدم نتيجة ملموسة ما لم تصحب بفعل حاضر قائم على العمل الجاد، بعيدًا عن الاستناد لعنتريات الماضي.

ثقافة الهلوسة تجاوزت هذا الحد لتصل إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعي والديني. ففي الجانب الاقتصادي، أنتجت لنا تجارًا همهم التملاح في كل صغيرة وكبيرة، والضحية في ذلك هو المواطن البسيط.

أما الجانب الاجتماعي، فحدث ولا حرج عن هلوسة وتملاح تمارسه الفئة المجرمة بشكل فج وقبيح دون حياء، حيث انتشرت ظاهرة الزواج الذي لا يقوم على أسس شرعية وقانونية تحمي لكلا الطرفين حقوقه، ويكون الضحية أحد الطرفين.

أحيانًا تكون المرأة هي الضحية، حيث تجد نفسها بين عشية وضحاها مطلقة وأمًا لأبناء لا تملك لأبيهم وثيقة مدنية تمكنها من إضافتهم له وللوطن.

وأحيانًا أخرى يكون الرجل هو الضحية، حيث تخدعه السيدة بأنها بكر ليكتشف عكس ذلك، وأن لها أبناء، وقد تكون على ذمة رجل آخر، وتدخله في أزمة قانونية لا يمكنه الخروج منها إلا بشق الأنفس والتفاوض معها هي وزوجها الذي قد يكون مساندًا لها في الإيقاع بالضحية.

الهلوسة والتملاح في الجانب الاجتماعي أنتجت كارثة إنسانية، لا زال ضحاياها يحاولون الخروج من تلك الأزمات دون فائدة. فكم من بيت هزت أركانه هذه الثقافة، وكم من ضحية دخل السجن بسببها، وكم من رجل بريء سقط في شراك فتاة تنتهج ثقافة الهلوسة والتملاح.

وكم من فتاة مسكينة كانت تبحث عن العفاف والثراء فسقطت في فخ التملاح نتيجة ثقتها في رجل يمتهن فن الهلوسة والتملاح في حياته.

الهلوسة والتملاح لا تقف عند الجانب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بل تتعداه لتصل إلى الجانب الديني المقدس، لتجد من يمارس الهلوسة والتملاح في الدين ليضرب إنسانًا طيبًا متدينًا في مقتل بعد أن وثق فيه وتعامل معه.

فكم من عملية إجرامية محكمة كان بطلها في بعض الأحيان شخص مارس الهلوسة والتملاح، واستخدم في ذلك لباس التدين ليخدع الضحية.

الهلوسة والتملاح أفسدت هذا المجتمع، وأنتجت أدبًا خاصًا بهما يمجد من خلاله الإمعة المهلوس والملاح، ويصنع منه بطلًا يقدسه المجتمع، نتيجة ثرائه الفاحش الذي جمعه من نهج الهلوسة والتملاح الذي دأب عليه منذ شبابه.

المهلوس والملاح يغدق على أدبائه أموالًا طائلة، وصحافته التي تلمع بأقلامها المؤجورة كل مساء وصباح.

في الحملات الانتخابية، ينتهج الممارسون لهذا النهج أسلوبًا مغايرًا يقوم على استخدام العاطفة والقرابة، واستخدام ذلك الأسلوب لإرغام الناس على التصويت لهم باعتبارهم المنقذين المخلصين الأكفاء.

والحقيقة أنهم مجرد لصوص يسعون لتقاسم الكعكة السياسية مع أصدقائهم الذين يستضعفون أقاربهم وأحبابهم للتصويت لهم بكثرة.

لنعد إلى المربع الأول، القائم على معادلة غير متكافئة: ساسة متخمون ثراءً، وفقراء طيبون لا يملكون قوت يومهم.

نحن اليوم كمجتمع وكسلطة مطالبون بشكل عاجل بالتحرك للقضاء على هذه الثقافة الخطيرة التي تهدد كيان المجتمع والدولة.

وعلاجها لا يكون إلا بمحاربتها كثقافة من خلال حملات توعية فكرية تبين خطورتها، يقودها علماء دين لهم كلمتهم ووزنهم في المجتمع، وقادة رأي لهم جمهور يثق فيهم، هذا بالإضافة إلى التطبيق الصارم للقانون في وجه كل ممارس لهذه الثقافة الهدامة.

وبالقضاء على هذه الثقافة، انطلاقًا من هذه الخطة ذات المحورين، ننقذ مجتمعنا ووطننا من طوفان جارف يقتلع الأخضر واليابس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!