الوجه الآخر لكـوفيد 19 / أموه أحمدنـاه

لم يكن يدور في خلد أي كان أن الحياة ستصبح بذات الشكل الذي رسمه كوفيد 19 بعد ظهوره أول مرة في الصين،حيث حمل معه جملة من الإجراءات الوقائية تمثلت في التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات في الأماكن العمومية،وبدأت سياسات التصدي للفيروس تأخذ أكثر من شكل ومنحى،كحظر التجول الذي أضحى في مرحلة من مراحل محاربة الوباء خيار البلدان،غير أن كوفيد الذي ارتبط في المخيلة بالبطالة والتدهور الاقتصادي،ظهر لاحقا أن له بعض الإيجابيات التي انعكست على الناس.

الدكتور والأستاذ الجامعي الشيخ سيدي عبد الله عند الحديث عن حظر التجول يتذكر الفرص التي أتاح له،من قبيل مطالعة بعض الكتب التي صرفته عنها مشاغل الحياة،إلى جانب وضع اللمسات الأخيرة على كتاب كان بصدد تأليفه منذ مدة،ويضيف الدكتور الشيخ قائلا:
“كنت أعكف على تأليف كتاب تحت عنوان (الشعر والفقه – قراءة في علاقة النسق بالإبداع في الثقافة الشنقيطية) تدور فكرته حول موقف الفقه والفقهاء من الشعر في بلاد شنقيط،بالإضافة للفتاوى التي كتبت شعرا والنقاشات بين الفقهاء حول النوازل،ولا أخفيكم أن الوقت الذي كنت أقضيه في المنزل منحني فرصة توجيه الاهتمام صوب الكتاب،وفعلا استطعت أن أنهيه خلال فترة الحظر،بحيث أصبح الآن جاهزا”.

حظر التجول الذي فرضه كورونا ضمن مجموعة من الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السلطات الموريتانية،أسهم بحسب خبيرة المكياج السينمائي سلمى عبد الفتاح في توجيهها الاهتمام صوب العمل الذي كان معلقا ربما لأسابيع حيث تقول:
“لم أكن أتخيل أن الجائحة التي ارتبطت عند الناس بالخوف لها جانب إيجابي،فعلى المستوى الشخصي وجدت فرصة لإتمام بعض الأعمال التي كانت معلقة منذ فترة،وفي ذات الوقت استطعت أن أكتسب المزيد من المهارات في المكياج السينمائي،بفعل الوقت الذي كان يذهب أدراج الرياح،في أشياء قد لا تكون في خانة الأولويات،بالإضافة إلى أن كوفيد أعطاني فرصة لصرف الاهتمام صوب الرسم الذي قطع حبل الوصل بيني وبينه منذ مدة بعيدة،وبالتالي أجزم أن الفيروس رغم ما رافقه من تأثيرات على مختلف الأصعدة فإن المشهد لا يخلو من بعض الإيجابيات”.

من الناحية الاقتصادية أسهم كوفيد 19 في انتشار البطالة على المستوى العالمي،ولم تكن موريتانيا من ذلك ببعيد،حيث أعلنت بعض الشركات والمؤسسات عجزها عن دفع رسوم العمال،وتم اعتماد سياسة تقوم على التخلص من جزء كبير من اليد العاملة،غير أن هذا الأمر حدث بالتزامن مع ظهور وظائف أو مصادر دخل ارتبطت بالوباء،حيث دعت إليها الحاجة والظرفية الصحية،من قبيل بيع الكمامات الذي ما لبث أن أضحى وجهة عدد لا بأس به من الموريتانيين،كأحمد محمود الذي يقضي يومه يتجول وسط العاصمة ويحمل معه بضاعته من الكمامات،وعن الدخل والطريقة التي دخل بها المجال يقول:
“تتذكرون الحالة العامة التي ظهر فيها الفيروس ومدى الخوف الذي سكن الناس،وحملهم على أخذ الإجراءات الوقائية بعين الاعتبار،ولمّا كانت الجهات الصحية تشدد على ارتداء الكمامات في الأماكن العمومية،أصبحت الأخيرة سلعة رائجة،ولأنني وأمثالي من الذين أصبحوا بلا عمل فقد وجدنا فيها البديل،وقد اشتريت الكمية الأولى ولم تكن كبيرة،لأنني لم أكن مقتنعا بداية الأمر،وعندما بعت كامل العدد الذي كان معي في وقت قصير،اشتريت كمية أكبر وقد كانت الكميات توفر لي لقمة العيش،مع أن الدخل يتفاوت بطبيعة الحال،فأيام انتشار الوباء يشهد الدخل ارتفاعا والعكس صحيح،ولا أخفيكم أن اليوم الذي سيختفي فيه الوباء سيصير لزاما علينا أن نبحث عن مصدر دخل جديد”.

رغم الصورة القاتمة المرتبطة بفيروس كورونا فإن له إيجابيات تجلت على أكثر من صعيد،ومع النمط الجديد الذي فرضه على البلدان ومواطنيها فإنه منح بعض الناس فرصا ربما لم تكن لتكون لولا الظروف التي فرضها الحظر،والتي كان ظاهرها نقمة ليتضح أن الأمر يكن كذلك بالنسبة للبعض،فللحياة أكثر من وجه دائما و”مصائب قوم عند قوم فوائد”.

تم نشر هذا التقرير بدعم من JHR/JDH – صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!