مالي: صفقة تبادل أسرى مع الطوارق تكشف عن قنوات تفاوض غير معلنة

بقلم: محمد عبد الرحمن أحمد عالي

صحفي ومحلل متخصص في الشأن الأفريقي ومنطقة الساحل

(خاص بـ «الضمير الإخباري»)

 

في تطور أمني يحمل دلالات سياسية وإنسانية عميقة في المشهد المالي المعقد، أفرجت تشكيلات حراك المتمردين الطوارق شمالي مالي عن نحو 60 جندياً من القوات المسلحة المالية كانوا محتجزين لديها، وذلك في إطار صفقة تبادل أسرى غير معلنة شملت إطلاق السلطات النيجرية سراح أحد أبرز القادة الميدانيين للطوارق، حسبما أفادت به مصادر أمنية واستخباراتية متطابقة في المنطقة.

ويأتي هذا الإفراج في توقيت يتسم ببلورة مواجهات عسكرية حامية الوطيس بين الجيش المالي وحلفائه من جهة، والحركات الأزوادية والجماعات المسلحة ينشط نفوذها في إقليم كيدال والمناطق الشمالية والحدودية من جهة أخرى. ويؤكد مراقبون للشأن الساحلي أن نجاح هذه الصفقة يُبرز الدور المحوري الذي تلعبه ورقة “الأسرى والمحتجزين” كأداة ضغط استراتيجية وتكتيكية تُحسِنُ الجماعات المسلحة استغلالها عند حافة المناورة لتفكيك الحصار أو فرض معادلات ميدانية جديدة.

ورغم التكتم الرسمي الصارم الذي فرضته السلطات الانتقالية في كل من باماكو ونيامي بشأن تفاصيل الاتفاق ورعاة التفاهمات، يرى خبراء في مركز المدار للدراسات الأمنية بأفريقيا أن هذه العملية تكشف عن وجود “قنوات اتصال خلفية” ومسارات أمنية مرنة لا تزال تعمل بفعالية تحت السطح، بالرغم من الانهيار الكامل لـ “اتفاق الجزائر للسلام” وتجميد المسارات السياسية والتفاوضية المعلنة بين أطراف النزاع.

وفي هذا الصدد، يشير المحلل الاستراتيجي والمتخصص في الشأن الأفريقي الدكتور ألمو أغ محمد إلى أن “صفقات التبادل العابرة للحدود بين مالي والنيجر تبرهن على تشابك الملف الأمني في جغرافيا الساحل الإفريقي؛ حيث إن القيادات الميدانية للطوارق تحظى بامتيدات عشائرية وسياسية تتجاوز الحدود الوطنية للبلدين، مما يجبر الأنظمة العسكرية على تقديم تنازلات براغماتية لحماية معنويات المؤسسة العسكرية وصون العنصر البشري في حروب استنزاف طويلة المدى”.

تثير هذه التطورات تساؤلات جوهرية بين الأوساط السياسية المتابعة: هل تعكس صفقة التبادل هذه إرادة ضمنية لدى أطراف النزاع للإبقاء على شعرة معاوية لتفادي الانزلاق إلى حرب شاملة بلا قواعد؟ أم أنها مجرد استراحة محارب وتكتيك أمني عابر فرضته ضغوط ميدانية وضغوط العائلات، دون أن يؤثر ذلك في الاستراتيجية الصلبة التي تعتمدها السلطات الموريتانية والمالية والنيجرية في حسم النزاع عسكرياً؟

 

تُشكل صفقات تبادل الأسرى والمحتجزين إحدى أكثر الأدوات كفاءة في حروب العصابات والنزاعات غير المتناظرة بمنطقة الساحل. وفي ظل انغلاق أفق الحلول السياسية الشاملة وتصاعد حدة القتال عقب انسحاب القوات الدولية والتواجد الروسي المكثف، تبقى التفاهمات الإنسانية عبر الوسطاء القبليين والأجهزة الاستخباراتية الشريان الوحيد للحد من تداعيات الأزمة، وإن كانت تطرح في الوقت ذاته إشكاليات قانونية وسياسية حول شرعية التعامل مع الكيانات المسلحة من الخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *