الضمير الإخباري- إعداد محمد عبدالرحمن احمدعالي .
لم يكن إعلان مجموعة من أبرز قيادات وأعضاء حزب جبهة المواطنة والعدالة «جمع» انسحابهم الجماعي من الحزب، يوم الأحد 26 يوليو 2026، مجرد خبر حزبي عابر في المشهد السياسي الموريتاني؛ فالحدث، بالنظر إلى عدد المنسحبين ومواقع بعضهم داخل الهيئات القيادية، أعاد إلى الواجهة سؤالًا أوسع يتجاوز حدود حزب «جمع» نفسه:
ماذا تتكرر ظاهرة الانسحابات الجماعية من الأحزاب السياسية الموريتانية؟ وهل تعكس هذه الظاهرة أزمة في إدارة الأحزاب، أم تحولات أعمق في علاقة النخب السياسية بالأطر الحزبية التقليدية؟
وبحسب ما نشرته مواقع موريتانية، أعلن 31 قياديًا وعضوًا في حزب «جمع» انسحابهم الجماعي، مبررين خطوتهم بما اعتبروه ابتعادًا تدريجيًا عن المبادئ التي تأسس عليها الحزب، وفي مقدمتها المواطنة المتساوية والعدالة والوحدة الوطنية، إلى جانب اعتراضات على ما وصفوه بضعف العمل المؤسسي وتراجع دور الهيئات التنظيمية لصالح القرار الفردي، فضلًا عن ملاحظات تتعلق بالخط السياسي للحزب ومواقفه من القضايا الوطنية. كما أشار المنسحبون إلى أنهم كانوا جزءًا من المسار الذي قاد إلى تأسيس الحزب، وأنهم دعموا برنامج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خلال الانتخابات الرئاسية.
لكن أهمية الحدث لا تكمن فقط في عدد الموقعين على بيان الانسحاب، وإنما في نوعية الأسماء والمواقع التي شملها، إذ تحدثت التقارير عن وجود شخصيات قيادية من هيئات الحزب المركزية والمحلية، من بينها نائبا رئيس الحزب الصوفي ولد الشيباني ومحمد الأمين ولد اشريف أحمد، والأمين الوطني للشؤون السياسية محمدو محمد المختار، إلى جانب أعضاء في المكتب السياسي واللجنة الدائمة والمجلس الوطني واتحادات الحزب. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر يتجاوز من حيث الدلالة مجرد مغادرة أفراد إلى كونه خلافًا سياسيًا وتنظيميًا داخل بنية الحزب.
من «من أجل الوطن»
إلى «جمع».. مشروع سياسي يبحث عن تماسكه
لفهم ما جرى، لا بد من العودة قليلًا إلى الوراء.
فحزب جبهة المواطنة والعدالة «جمع» لم يظهر في فراغ سياسي، بل جاء نتيجة مسار شاركت فيه شخصيات وقيادات ذات تجارب سياسية مختلفة، وكان من أبرز رموزه محمد جميل ولد منصور، الرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل»، وأحد أبرز الوجوه السياسية التي خرجت من تجربة التيار الإسلامي السياسي في موريتانيا إلى فضاء سياسي أكثر اتساعًا.
وقد كان انتقال ولد منصور من «تواصل» إلى مشروع سياسي جديد حدثًا لافتًا في حد ذاته، خاصة أن الرجل كان من أبرز مؤسسي تجربة الحزب ورئيسًا له في مرحلة مهمة من تاريخه.
وفي أبريل 2023، كان ولد منصور قد عبّر، وهو لا يزال داخل «تواصل»، عن اعتراضات عميقة على مسار الحزب، متحدثًا عن غياب «المسألة الوطنية» في الخطاب السياسي، وعن اختلالات في التمثيل داخل الهيئات القيادية والترشيحات الانتخابية، قبل أن يتطور المسار لاحقًا إلى خروجه من الحزب.
ومن هذه الزاوية، يرى بعض المتابعين أن ما يحدث اليوم داخل «جمع» يحمل مفارقة سياسية لافتة:
فالشخصية التي غادرت حزبًا سابقًا بسبب اختلافات حول طبيعة المشروع السياسي والتمثيل الوطني، تجد نفسها اليوم في مواجهة انسحابات من قيادات تقول، بدورها، إن الحزب ابتعد عن المبادئ التي تأسس عليها.
لكن هذه المقارنة، رغم جاذبيتها، لا تعني بالضرورة أن التجربتين متطابقتان؛ فلكل حزب سياقه، ولكل انسحاب أسبابه وظروفه. إلا أن التشابه في طبيعة الخطاب يجعل المقارنة مطروحة بقوة في النقاش العام.
بيان المنسحبين.. خلاف على المبادئ أم خلاف على إدارة الحزب؟
يقدم المنسحبون روايتهم بوضوح: المشكلة، من وجهة نظرهم، ليست خلافًا شخصيًا مع رئيس الحزب، وإنما اعتراض على مسار سياسي وتنظيمي يرون أنه انحرف عن الأهداف التي قام عليها المشروع.
وتتمحور رسالتهم، كما نقلتها التغطيات، حول ثلاثة مستويات رئيسية.
الأول هو المستوى السياسي، ويتمثل في اعتقادهم بأن الحزب لم يعد، بحسب رؤيتهم، يحافظ بالقدر الكافي على خطه الوطني الجامع.
الثاني هو المستوى التنظيمي، حيث تحدثوا عن تراجع دور المؤسسات الحزبية مقابل تنامي القرار الفردي.
أما الثالث فهو مستوى التمثيل الوطني والاجتماعي، حيث أبدى المنسحبون اعتراضات على ما اعتبروه اختلالًا في التوازن داخل بعض الهيئات واللوائح الانتخابية.
وهنا تبرز نقطة جوهرية في قراءة الحدث: إن كان الخلاف محصورًا في أسماء أو مناصب، فهو خلاف تنظيمي يمكن للأحزاب عادة احتواؤه؛ أما إذا كان الخلاف متعلقًا بتعريف الحزب لنفسه، وبالخطاب الذي يريد أن يقدمه للمجتمع، وبطبيعة علاقته بالمكونات الاجتماعية والسياسية، فإننا نكون أمامأزمة هوية سياسية أكثر تعقيدًا.
محمد جميل منصور.. رد هادئ أم تقليل من حجم الأزمة؟
في المقابل، جاء رد رئيس حزب «جمع» محمد جميل ولد منصور، وفق ما تداولته وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، بنبرة بدت للكثير من المتابعين هادئة وغير تصعيدية، مع التأكيد على أن العلاقات السياسية، مثل غيرها، قد تشهد اختلافًا وانفصالًا، وأن مغادرة بعض الأعضاء لا تعني بالضرورة نهاية المشروع السياسي.
هذا الموقف يمكن قراءته من زاويتين مختلفتين.
الزاوية الأولى ترى أن هدوء ولد منصور يمثل إدارة سياسية ذكية للأزمة؛ إذ إن الدخول في سجال علني مع المنسحبين قد يؤدي إلى تضخيم الخلاف وتحويله إلى صراع شخصي، بينما يحاول الحزب تقديم نفسه باعتباره كيانًا قادرًا على الاستمرار رغم مغادرة بعض قياداته.
أما الزاوية الثانية فتعتقد أن التقليل من حجم الانسحابات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقيادات مركزية وأعضاء مؤسسين، قد لا يكون كافيًا لإقناع الرأي العام بأن الأمر مجرد «مغادرة طبيعية»؛ لأن وزن الانسحاب لا يقاس بعدد الأفراد فقط، وإنما بمواقعهم داخل الحزب، وبمدى قدرتهم على التأثير في قواعده وفي صورته السياسية.
وهنا يكمن التحدي أمام قيادة الحزب:
هل يستطيع «جمع» تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء التنظيم، أم أن موجة الانسحابات ستفتح الباب أمام موجات أخرى؟
«جمع» أمام اختبار ما بعد الانسحاب
في السياسة، لا تكون الانسحابات الجماعية دائمًا قاتلة للأحزاب.
هناك أحزاب فقدت شخصيات بارزة ثم أعادت بناء نفسها، وأحزاب أخرى أدى خروج قياداتها إلى تفككها التدريجي.
والفارق بين الحالتين غالبًا ما يرتبط بثلاثة عوامل:
أولًا: قوة المؤسسة.
إذا كان الحزب يمتلك مؤسسات حقيقية وقيادات بديلة وقواعد منظمة، فإن خروج مجموعة من القيادات يمكن أن يكون قابلًا للاحتواء.
ثانيًا: وضوح المشروع السياسي.
كلما كان المشروع واضحًا ومستقلًا عن الأشخاص، كان الحزب أكثر قدرة على الاستمرار.
ثالثًا: القدرة على إدارة الخلاف.
الأحزاب القوية ليست تلك التي لا تختلف قياداتها، وإنما تلك التي تمتلك آليات مؤسسية لحل الخلافات قبل أن تتحول إلى انسحابات علنية.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لحزب «جمع» لن يكون في كيفية الرد على بيان المنسحبين فقط، بل في ما سيفعله بعد هذه الأزمة.
هل نحن أمام أزمة «جمع» فقط؟
قد يكون من السهل اختزال الحدث في خلاف داخل حزب واحد، لكن المشهد الموريتاني خلال السنوات الأخيرة يسمح بقراءة أوسع.
فالانسحاب من الأحزاب، والانضمام إلى أحزاب أخرى، وتشكيل مبادرات سياسية جديدة، كلها أصبحت جزءًا متكررًا من الحياة السياسية الموريتانية.
ويرى اتجاه من المراقبين أن هذه الظاهرة تعكس ضعفًا نسبيًا في المؤسسة الحزبية مقابل قوة الشخصيات السياسية.
ففي كثير من الحالات، يرتبط الحزب في الوعي العام برئيسه أو بمجموعة محدودة من قياداته، بينما تظل البنية التنظيمية أقل حضورًا من الشخصيات.
وبالتالي، عندما يقع خلاف بين القيادات، لا يجد أحيانًا طريقه إلى مؤسسات الحزب وآلياته الداخلية، بل ينتقل سريعًا إلى الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وينتهي بالانسحاب.
لكن اتجاهًا آخر يقدم تفسيرًا مختلفًا، يرى أن ما يحدث ليس بالضرورة ضعفًا حزبيًا، وإنما هو نتيجة طبيعية لمرحلة سياسية تتغير فيها التحالفات بسرعة، وتتراجع فيها الحدود التقليدية بين الموالاة والمعارضة، ويصبح السياسي أكثر حرية في الانتقال من مشروع إلى آخر وفق تقديره للمصلحة السياسية والبرنامج الوطني.
وبين التفسيرين، ربما توجد الحقيقة في المنتصف.
من «الانتماء العقائدي»
إلى «المرونة السياسية»
من أبرز التحولات التي يمكن رصدها في السياسة الموريتانية الحديثة، تراجع فكرة الانتماء الحزبي الصارم لدى جزء من النخب.
ففي الماضي، كان الانتقال من حزب إلى آخر يُقرأ غالبًا باعتباره تحولًا سياسيًا كبيرًا.
أما اليوم، فقد أصبح انتقال الشخصيات بين الأحزاب والمبادرات أكثر شيوعًا، خاصة في ظل صعود خطاب سياسي يركز على البرامج الوطنية، ودعم المشاريع الحكومية، والتحالفات الانتخابية، بدل الالتزام الصارم بخط أيديولوجي واحد.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تجربة محمد جميل ولد منصور باعتبارها نموذجًا واضحًا لهذا التحول؛ فقد انتقل من تجربة سياسية ذات مرجعية إسلامية واضحة داخل «تواصل» إلى مشروع يطرح نفسه باعتباره أوسع من التصنيف الأيديولوجي التقليدي.
لكن المفارقة أن الانتقال من حزب ذي هوية أيديولوجية واضحة إلى حزب ذي خطاب وطني جامع لا يلغي تلقائيًا الأسئلة المتعلقة بالتمثيل والهوية والتنظيم، وهي الأسئلة التي يبدو أنها عادت لتظهر في الأزمة الأخيرة.
ماذا يقول النقاش على فيسبوك؟
أما على شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك، فقد بدا النقاش أكثر انقسامًا من المواقف الرسمية.
فريق من المتابعين رأى أن انسحاب هذا العدد من القيادات يمثل إشارة قوية إلى وجود أزمة داخلية حقيقية خصوصًا أن بعض المنسحبين من قيادات الحزب وليسوا مجرد أعضاء عاديين.
وفريق آخر قلل من أهمية الحدث، معتبرًا أن الأحزاب السياسية بطبيعتها تعرف الاستقالات والانقسامات، وأن بقاء الحزب واستمراره هو المعيار الحقيقي، وليس عدد المنسحبين.
وهناك اتجاه ثالث اتخذ موقفًا أكثر حدة من الطرفين، واعتبر أن الظاهرة تكشف عن زمة أعمق في الحياة الحزبية الموريتانية، حيث تتكرر ظاهرة تأسيس الأحزاب ثم حدوث الانقسامات والانسحابات، دون أن تنجح أغلب التجارب في بناء مؤسسات سياسية قوية ومستقرة.
كما ظهر في بعض النقاشات نوع من المقارنة بين محمد جميل ولد منصور وتجربته السابقة في «تواصل»، وبين ما يواجهه اليوم في «جمع»، وهي مقارنة سياسية مفهومة من حيث التوقيت والسياق، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على التجربتين.
واللافت في النقاش الرقمي أن جزءًا من الجمهور لم يعد يتعامل مع الانسحابات باعتبارها مجرد أخبار حزبية، بل أصبح يقرأها من منظور أوسع يتعلق بمستقبل الأحزاب ودورها في الحياة السياسية.
القراءة السياسية الأعمق: أزمة ثقة أم إعادة تموضع؟
في تقديري، يمكن قراءة ما حدث داخل «جمع» من خلال ثلاثة سيناريوهات.
السيناريو الأول: أزمة عابرة.
قد تنجح قيادة الحزب في احتواء تداعيات الانسحاب، وإعادة ترتيب البيت الداخلي، واستقطاب شخصيات جديدة، بحيث يصبح الحدث مرحلة مؤقتة في مسيرة الحزب.
السيناريو الثاني: إعادة تموضع سياسي.
قد يكون الانسحاب جزءًا من عملية إعادة تشكل أوسع للمشهد السياسي، خاصة إذا كان المنسحبون يتجهون إلى تشكيل إطار سياسي جديد أو الالتحاق بمشاريع أخرى.
السيناريو الثالث: أزمة بنيوية.
وهو السيناريو الأكثر خطورة، ويتمثل في أن يكون الانسحاب تعبيرًا عن أزمة داخلية عميقة تتعلق بالهوية السياسية، والتمثيل الوطني، والعلاقة بين القيادة والمؤسسات.
وفي هذه الحالة، فإن الأزمة لن تنتهي بانسحاب الموقعين على البيان، بل قد تستمر في صورة نقاشات وانقسامات داخلية أخرى.
السؤال الأكبر يتجاوز «جمع»
ربما يكون السؤال الأهم الذي يطرحه انسحاب قيادات «جمع» ليس: من ربح ومن خسر؟
هل تستطيع الأحزاب السياسية الموريتانية أن تتحول من مشاريع مرتبطة بالأشخاص إلى مؤسسات قادرة على استيعاب الاختلاف؟
ففي النهاية، قد يخرج قائد من حزب، وقد تنسحب مجموعة من القيادات، وقد ينضم آخرون، لكن الحزب الذي يمتلك مؤسسة قوية يستطيع الاستمرار.
أما إذا كان بقاء الحزب مرتبطًا ببقاء الأشخاص، فإن كل خلاف سياسي يتحول سريعًا إلى أزمة وجود.
ومن هذه الزاوية، تبدو أزمة «جمع» اختبارًا حقيقيًا ليس فقط لمحمد جميل ولد منصور وقيادة حزبه، وإنما لفكرة الحزب السياسي نفسها في موريتانيا.
فإذا استطاع الحزب تجاوز الأزمة عبر مراجعة مؤسساته وتجديد قياداته وتوضيح خطه السياسي، فقد تتحول الانسحابات إلى محطة لإعادة البناء.
أما إذا استمرت موجات الخروج، وانتقلت الأزمة من القيادات إلى القواعد، فقد يصبح ما حدث في يوليو 2026 بداية لتحول سياسي أكبر.
وبين رواية المنسحبين التي تتحدث عن انحراف عن مبادئ التأسيس، ورواية الحزب التي تقلل من تداعيات الانسحاب، يبقى الحكم النهائي بيد الزمن، وبيد قدرة كل طرف على إثبات روايته بالفعل السياسي والتنظيمي، لا بالبيانات وحدها.
وفي كل الأحوال، فإن ما حدث داخل «جمع» يعيد طرح سؤال قديم جديد في موريتانيا: هل نحن أمام أحزاب سياسية مؤسسية تتغير قياداتها، أم أمام قيادات سياسية تؤسس أحزابًا تتغير بتغير مواقعها وتحالفاتها؟
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل