بقلم: محمد عبد الرحمن أحمد علي
نواكشوط – تقرير صحفي تحليلي خاص بـ “الضمير الإخباري”:
ألغت وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي في موريتانيا مشاركة 142 مترشّحاً في امتحانات الباكالوريا، إثر مراجعة دقيقة لمحاضر مراكز الامتحان في جميع الولايات، في إطار تصعيد حملة مكافحة الغش خلال الدورة العادية لسنة 2026. ورغم أن الرقم قد يبدو ضئيلاً مقارنة بإجمالي المترشحين، إلا أن التفاصيل لا تقتصر على الإحصائيات، بل تفتح الباب واسعاً أمام نقاش أعمق يقوده أهل الاختصاص حول جودة التعليم، وموثوقية الشهادة الوطنية، وحجم الإصلاحات المعلنة مقابل الواقع الميداني.
خارطة الإلغاء: تركز في الكثافة الحضرية
تشير المعطيات التي تتبعها القسم الرياضي والإحصائي في موقع “الضمير الإخباري” إلى أن إجمالي المترشّحين في دورة 2026 قارب 64,532 مترشّحاً، توزعوا على 195 مركزاً امتحانيًا في عموم البلاد. وبحسب الحصائل الرسمية المنشورة عبر منصات الوزارة، بلغت حالات الإلغاء 142 حالة، غالبيتها ارتبطت بضبط هواتف وأجهزة إلكترونية داخل قاعات الامتحان، ما يمثل نسبة تقارب 0.22% من مجموع المترشّحين.
وتصدرت ولاية نواكشوط الغربية القائمة بـ28 حالة إلغاء، تلتها نواكشوط الشمالية بـ26، ثم الترارزة بـ16، ونواكشوط الجنوبية بـ11، في مؤشر واضح على أن المناطق الحضرية ذات الكثافة التربوية العالية هي الأكثر تسجيلاً لحالات «الغش». وتوزعت باقي الحالات بنسب متفاوتة شملت الحوض الشرقي (9 حالات)، و7 حالات في كل من لعصابه وكوركول وآدرار، بينما تذيلت إينشيري القائمة بحالة واحدة فقط.
وجهة نظر السلطات: «نزاهة» البكالوريا أولاً
تستند الحكومة في خطابها إلى أن هذه الإجراءات الصارمة تمثل جزءاً لا يتجزأ من مسار «إصلاح النظام التعليمي»، وضمان نزاهة الشهادة الوطنية التي تُعدّ بوابة العبور الرئيسية نحو التعليم الجامعي والوظيفة.
وفي هذا السياق، يوضح مصدر إداري مطلع على سير الامتحانات –في تصريح خاص لـموقع “الضمير الإخباري”– فضل حجب اسمه، أن:
“الوزارة تعتمد مقاربة ‘صفر تسامح’ مع محاولات الغش. التدقيق الدقيق في المحاضر ليس استهدافاً للطلاب، بل حماية للمجتهدين منهم، وتأكيد على أن البكالوريا استعادت أمنها ومصداقيتها”.
وتربط الجهات الرسمية هذه الصرامة الرقابية بالتحسن العام في المؤشرات التربوية، مستشهدة بتصريحات سابقة لوزيرة التربية هدى بنت باباه، التي أكدت أن نسبة النجاح في دورة 2024 بلغت 39.28%، وهي الأعلى في تاريخ البلاد، ما تعتبره الوزارة دليلاً على أن النجاح بات يعكس تحسناً حقيقياً وليس نتاجاً لتساهل تنظيمي.
رأي المعارضين والنقابات: «الرادع» لا يغني عن «الإصلاح»
على الضفة الأخرى، يرى مراقبون وفاعلون في الحقل التربوي أن التركيز الإعلامي على أعداد المطرودين يغطي على الأسئلة الجوهرية المتعلقة بجودة التعليم الفعلي وتأثير الإصلاحات المعلنة على أرض الواقع.
وفي رصد ميداني لـموقع “الضمير الإخباري” في العاصمة نواكشوط، يشير الأستاذ محمد الأمين (نقابي وناشط في مجال التعليم) إلى أن:
“الغش لا ينشأ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لضعف البنية التعليمية في العديد من الولايات، خاصة في الداخل. نحن نتحدث عن نقص حاد في الكادر التدريسي المؤهل والموارد الأساسية من مختبرات ومكتبات. الطالب الذي يفتقر لبيئة تعليمية سليمة طوال العام، سيجد نفسه تحت ضغط اجتماعي هائل للنجاح بأي وسيلة”.
ويأخذ النقد الموجه للوزارة أبعاداً إحصائية وسياسية؛ إذ يلاحظ المتابعون غياب المقارنات الدقيقة مع الدورات السابقة (2024 و2025) لتقييم المنحنى الفعلي للظاهرة، فضلاً عن غياب الشفافية في عرض التفاصيل المالية المتعلقة بحجم الإنفاق على التعليم ضمن الناتج المحلي الإجمالي، والميزانيات المخصصة للنهوض بالولايات الأقل حظاً.
تحديات ما بعد الامتحان
يُظهر التعامل الحازم مع حالات الغش أن السلطات التعليمية تمتلك الآليات اللازمة لضبط الامتحانات، وهو إجراء «صحّي» لضمان النزاهة الفورية. ولكن، وبين صرامة الإجراءات الرقابية ومطالب الإصلاح الجذري، يبقى التحدي الأبرز أمام قطاع التعليم في موريتانيا هو تحويل هذه الخطوات الضبطية إلى سياسات شاملة. فمحاربة الغش تبدأ بتوفير تمويل واضح لمدارس الداخل، وتأهيل المعلمين، وفتح آفاق حقيقية للتعليم المهني، لضمان تكافؤ الفرص بين كافة الطلاب قبل أن يجلسوا على مقاعد الامتحان
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل