حكايةُ مِشرطٍ لا يخطئُ الأمل.. كيف سكنَ المديرُ الجديد لـ “كيفة” قلوبَ البسطاء؟

بقلم: محمد عبد الرحمن أحمد علي | رئيس التحرير

نُشر في: موقع الضمير الإخباري

تاريخ النشر: الأربعاء 1 يوليو 2026

 

في مستشفيات الداخل، حيث لا يملك المريضُ المتعب سوى ألمهِ ودُعائه، لا يبحث الناس عن «مديرٍ» يختبئ خلف أوراق مكتبه، بل يبحثون عن «إنسانٍ» يرتدي معطف الرحمة قبل معطف الطب.

واليوم، حين حمل بيان  بيان مجلس الوزراء الصادر اليوم اسم الدكتور الجراح سيداتي ولد أعمر جودة مديراً لمركز استطباب «كيفة»، لم يكن القرار مجرد حبرٍ روتيني على ورق، بل كان بشارةً برجلٍ لطالما اختزل المسافة الصعبة بين صرامة الإدارة وحنان المشرط.

لو أردنا رسم صورة قلمية لهذا الرجل بأسلوب السرد الحديث، لوجدنا أنفسنا أمام لوحة لعابر مرافئ يترك في كل مدينة يحل بها أثراً طيباً وبصمة من التميز. تأمله في “تجكجة”، حيث التاريخ ينام فوق الصخور الصامتة، هناك لم يكن مديراً تقليدياً يغرق في البيروقراطية وأوراق الصادر والوارد، بل كان أشبه بمهندس يعيد تنظيم النبض في جسد المرفق الصحي؛ رتّب الفوضى، وبثّ في الجدران الباردة دفء المسؤولية، فغدت فترته هناك محطة مضيئة تُذكر فيُشكر صاحبها، وتؤصل لاستمرارية العمل لمن خلفه من الكفاءات، وهي التجربة التي رصدتها الأقلام حينها كـ نموذج للتفاني والاحترافية بتجكجة.

ومن تكانت، حمل الدكتور حقيبة خبرته ليتواصل العطاء في محطة أخرى، حيث تابع المتابعون  استلام الدكتور لمهامه بمدينة النعمة أقاصي الشرق حيث جغرافيا البشر تتسع لتستوعب آلاف الحكايات والاحتياجات اليومية. هناك، في الحوض الشرقي، واجه الدكتور سيداتي أمواج المراجعين بنَفَسٍ طويل لا ينقطع، وكان يجمع بين صرامة الإداري الذي يرفض التهاون في حقوق المرضى وضبط المرفق العمومي، وبين إنسانية الجراح الذي يدرك أن الأجساد المنهكة خلف الأبواب لا تملك ترف الانتظار. في النعمة، غدا جزءاً من الأمان اليومي للناس، ومثالاً للمسؤول الذي يترجم نبل المهنة إلى واقع ملموس خلف طاولات الفحص والعمليات، مساهماً مع طاقمه الطبي في رفع كفاءة هذا الصرح الصحي الكبير، في مسيرة وُصفت بأنها  قصة كفاح جديدة في مستشفى النعمة.

وفي عالم الكتابة، نبحث دائماً عن البطل الإنساني الذي يمتلك سر التغيير وصناعة الأمل دون صخب، والدكتور سيداتي يمثل هذا النموذج في واقعنا الطبي. إن ميزته الكبرى ليست في قدرته على القيادة والتسيير فحسب، بل في تعاطيه الأخلاقي مع الإنسان؛ فمشرطه ليس مجرد أداة فولاذية باردة، بل هو وسيلة لإنقاذ الحياة، يُسندها قلب رحيم وابتسامة دافئة يوزعها على البسطاء قبل أن يلجوا غرف العمليات. هذه الروح هي التي جعلت من وجوده في أي مستشفى صمام أمان ونقطة جاذبية للثقة، فالمرضى يبحثون عن الطمأنينة والنفسية الطيبة قبل الدواء، وهوما تبيّن جليّاً

حين اجتمعت الكفاءة الطبية بالروح الإنسانية  في شخصه الكريم.

اليوم، يستدير قطار التعيينات ليضع الدكتور سيداتي ولد أعمر جودة أمام تحدٍّ جديد في “كيفة”، عاصمة ولاية لعصابة وعينها الساهرة، وهو انتقال يحمل دلالات الثقة والتكليف، فالمستشفى الكبير هناك ينتظر قامة إدارية وطبية جربت الميدان وخبرت تفاصيل المعاناة في الداخل.

ولم تكن هذه السطور نسيجاً من خيال الأدب، بل هي خلاصةٌ قطفتها الأقلام من شهاداتٍ حية؛ رواها سكانٌ عاينوا عهده في تجكجة، ومرضى لمسوا إنسانيته في النعمة، ودوّنها إعلاميون ومدونون واكبوا مسيرته، وشهد بها زملاء مهنةٍ وعاملون عاصروه في خنادق الميدان، حيث أجمعوا على ذات الحقيقة: صرامةٌ في الإدارة، ورحمةٌ في المشرط.

يغادر النعمة اليوم تاركاً وراءه سيرة عطرة وفترة تسيير متميزة يكملها زملاؤه من بعده، ليحل في كيفة حاملاً معه ذات المبادئ: النزاهة الشفافة، والصرامة المهنية، والمشرط الذي لا يعرف التعب. هنيئاً لـ “كيفة” بمديرها وجراحها الجديد، هو بقية الأطباء العاملين في ربوع هذا الوطن الحبيب.

الكاتب: محمد عبد الرحمن أحمد علي، صحفي موريتاني وخبير قانوني متخصص، والمدير الناشر لشبكة “اليوم إنفو” الإخبارية.

جميع الحقوق محفوظة ومحمية بموجب قانون النشر وحقوق الملكية الفكرية لـ موقع الضمير الإخباري  © 2026.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *