قراءة تحليلية بقلم: عبد الرحمن أحمد علي
(باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية – مدير نشر “الضمير الإخباري”)
شكلت الزيارة الودية التي أداها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للزعيم التاريخي لحزب التحالف الشعبي التقدمي، مسعود ولد بلخير، خلال فترة علاجه في دولة الإمارات العربية المتحدة، ذروة مسار من التقارب السياسي الذي طبع علاقة الحزب المعارض بالنظام الحاكم. تلك الصورة التي جمعت الرجلين بدت وكأنها إعلان غير مكتوب عن طي صفحة “المعارضة الراديكالية” وتدشين مرحلة من “التهدئة السياسية” والتوافق المبدئي.
غير أن المشهد السياسي الموريتاني، بطبيعته الرمادية والمتحركة، لا يعترف بالتحالفات الثابتة حين تتصادم مع الأزمات الاجتماعية الخانقة. فقد جاء البيان الأخير لمنسقية حزب التحالف الشعبي التقدمي في ولاية تيرس الزمور ليُلقي حجراً ثقيلاً في بركة التقارب الراكدة، معلناً عن انعطافة حادة في خطاب الحزب تجاه السلطة، وعودة ملحوظة إلى مربع النقد اللاذع والمساءلة الصارمة.
الزويرات.. شرارة العودة إلى المربع الأول
شكلت أزمة المياه والكهرباء في مدينة الزويرات المنطلق الأساسي لهذا التحول في نبرة الحزب. فقد تجاوز البيان الأخير لغة “المناصحة السياسية” الهادئة، ليتبنى قاموساً هجومياً مباشراً، واصفاً الأزمة بأنها “غير مسبوقة”.
وتكمن دلالة التصعيد في توجيه سهام النقد مباشرة إلى المشاريع التي دشنها الرئيس الغزواني شخصياً. فعندما يصف الحزب البنى التحتية المائية والكهربائية المدشنة مؤخراً بـ “الفشل والرداءة”، فإنه يسقط عملياً ورقة “التهدئة” ليعود إلى لعب دوره التقليدي كصوت للفئات المتضررة والمهمشة. الانقطاعات التي تتجاوز 12 ساعة، وتلف الأجهزة، وتدهور القدرة الشرائية بفعل كلفة المولدات الخاصة في ذروة الصيف، وفرت للحزب غطاءً شعبياً ومبرراً موضوعياً للتخلي عن ديبلوماسية الصالونات المكيفة والنزول مجدداً إلى خندق المعاناة اليومية للمواطن.
دلالات التحول: رسائل سياسية ببريد اجتماعي
من منظور العلوم السياسية، لا يمكن قراءة هذا التصعيد كحدث معزول أو مجرد غضب جهوي محلي، بل هو يحمل دلالات عميقة تعكس ديناميكية العلاقة بين السلطة والمعارضة في موريتانيا:
نهاية الشيك على بياض: يرسل الحزب رسالة واضحة للنظام مفادها أن التهدئة السياسية واللقاءات الودية لا تعني صمتاً أبدياً عن الإخفاقات التنموية. التقارب المؤسسي شيء، وغياب الخدمات الأساسية شيء آخر يستوجب المساءلة.
الضغط بورقة الشارع: من خلال التهديد بـ “مواصلة الدفاع عن حقوق المواطنين بكل الوسائل القانونية والسلمية”، يعيد الحزب التذكير بقدرته على التعبئة الجماهيرية، ملوحاً باستخدام ورقة الاحتجاجات السلمية كورقة ضغط سياسي إذا استمرت سياسة “غياب التوضيح الرسمي” والتجاهل الحكومي.
المطالبة بالمحاسبة والشفافية: لم يكتفِ البيان بوصف المشهد، بل طالب بتحديد المسؤوليات وفتح تحقيق عاجل في جودة الأشغال. وهو تصعيد يمس صميم العمل الحكومي وشركات المقاولة المنفذة، مما يضع النظام أمام اختبار حقيقي لشعاراته المتعلقة بمحاربة الفساد والمحسوبية.
استعادة الزخم المعارض: يدرك مسعود ولد بلخير وقيادة حزبه أن استمرار التماهي التام مع النظام قد يفقد الحزب قاعدته الشعبية التاريخية التي تأسست على النضال من أجل العدالة الاجتماعية. العودة للغة التصعيد هي محاولة لاستعادة هذا الزخم وتأكيد الاستقلالية السياسية.
هل هي قطيعة أم تكتيك ضغط؟
رغم حدة البيان، فإن القراءة المتأنية للمشهد السياسي الموريتاني توحي بأن هذا الموقف قد لا يعني “قطيعة نهائية” مع نظام الغزواني، بقدر ما هو “تكتيك ضغط” يهدف إلى تصحيح مسار العلاقة وتنبيه السلطة إلى خطورة الاحتقان الاجتماعي.
لقد أثبت حزب التحالف الشعبي التقدمي أن بوصلته الحقيقية تظل مرتبطة بمزاج الشارع ومستوى الخدمات الأساسية. وإذا كان التقارب الشخصي في الإمارات قد أسس لثقة متبادلة، فإن أزمة عطش الزويرات جاءت لتؤكد أن هذه الثقة تتبخر بسرعة عندما يعجز النظام عن توفير قطرة ماء وشعاع ضوء لمواطنيه. الكرة الآن في ملعب الحكومة؛ فإما استجابة سريعة وشفافة تعيد المياه إلى مجاريها (حرفياً وسياسياً)، أو استمرار للتجاهل قد يدفع “التحالف” لاستلال سيوف المعارضة الراديكالية من غمدها مجدداً.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل