بقلم: عبد الرحمن أحمد علي – الضمير الإخباري
في صباح استثنائي بمدينة أمرج، حيث تتسارع أنفاس الطلاب وتتجه الأنظار نحو أوراق الامتحان البيضاء التي سُطر عليها القدر مستقبلهم، كان ثمة مشهد مهيب يكسو القاعة. وفد رسمي يضم حاكم المقاطعة، والمفتش، والقيادات الأمنية، يطأ عتبة الفصل في جولة تفقدية لافتتاح مسابقة الباكلوريا.
في تلك اللحظة، اتسعت عينا الشاب “أحمد” بدهشة وانبهار. فهذا الفتى القادم من أقاصي الريف، لم تقع عيناه من قبل على زي رسمي أو وفد إداري بهذا الثقل. منذ أن وطئت قدماه مقاطعة أمرج، اقتصر عالمه على مسار واحد: من السكن المتواضع إلى قاعة الدرس، غريباً عن شوارع المدينة ومبانيها الإدارية، يحمل في قلبه حلماً أكبر من كل المدن.
على خط التماس.. حيث تولد الإرادة من رحم المعاناة
لم يأتِ أحمد من فراغ، بل هو ابن قرية بوطيب التابعة لبلدية أم اعشيش، تلك النقطة الحدودية المنسية التي تعانق الأراضي المالية. هناك، حيث ضيق الحال هو العنوان الأبرز، وُلدت قصة كفاح بطلها أبٌ رفض أن يرث ابنه شقاء الأيام.
اتخذ الوالد قراراً غيّر مجرى حياة الأسرة؛ حزم أمتعته البسيطة وارتحل مع ابنه إلى مقاطعة أمرج ليقف بجانبه كظل لا يفارقه طيلة فترة الدراسة. وفي القرية البعيدة، تحت “عريش” متهالك يصارع رياح الصحراء، بقيت الأم تكابد قسوة الحياة، ترعى وريقات الأمل المتمثلة في ماشية قليلة هي مصدر رزقهم الأوحد. من حليبها وصوفها، تُرسل الأم تكاليف البقاء في المدينة، ومن تحت سقف عريشها، ترفع أكف الضراعة بدعوات صادقة تُعبد طريق ابنها نحو النجاح.
شاشة هاتف.. نافذة نحو مقامات النجاح
أحمد، الذي لم يكتشف معالم مدينته بعد، كان يبني قصور طموحه كل ليلة عبر شاشة هاتفه الصغير. تلك الشاشة كانت بوابته السحرية للهروب من واقع العزلة إلى فضاء الإلهام.
بشغفٍ لا ينضب، أدمن الفتى متابعة قصص الكفاح والنجاح عبر حلقات “البودكاست” على يوتيوب. لم تكن تلك القصص لأشخاص من وراء البحار، بل كانت لأبناء جلدته؛ رجال من ولايته الحوض الشرقي، تقاطعت بداياتهم القاسية مع ظروفه الحالية. أولئك الذين انطلقوا من أرياف مشابهة وعروش بسيطة، وافترشوا الأرض والتحفوا الإرادة، حتى وصلوا اليوم إلى مناصب سامية في دوائر القرار ومرافق الدولة.
“رؤيته للوفد الإداري اليوم في قاعة الامتحان لم تكن مجرد صدمة حضارية لفتى قروي، بل كانت تجسيداً حياً لما كان يتابعه بشغف.. لقد رأى في تلك الوجوه المرموقة ملامح مستقبله الممكن، وأدرك أن حلمه قابل للتحقق ما دام العظماء من أبناء ولايته قد شقوا الطريق ذاته من قبل.”
الباكلوريا.. تذكرة العبور نحو الحلم
اليوم، وهو يمسك بقلمه أمام ورقة الامتحان، يدرك أحمد تماماً أن مسابقة الباكلوريا ليست مجرد حدث عابر أو استحقاق وطني روتيني؛ إنها تذكرة العبور نحو منصات التتويج.
إنه لا يكتب إجابات لأسئلة منهجية فحسب، بل ينسج مستقبلاً يطمح من خلاله إلى التفوق، والحصول على منحة دراسية تقوده إلى الخارج لاكتشاف العالم وصقل معارفه، ليعود يوماً ويأخذ مكانه بين كبار القوم. يكتب ليُنهي سنوات من الغربة والتعب، وليرد الجميل لأبٍ ترك قريته ليحرس حلمه، ولأمٍ تصارع شظف العيش تحت عريش “بوطيب”، وليرسم على وجهيهما أعظم ابتسامة فخر تنسيهما قسوة السنين.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل