اعداد / محمد عبد الرحمن أحمد علي_
_نواكشوط – 10 مايو 2026_
أثار وصول رئيس حركة “أفلام” حبيب صال إلى نواكشوط قبل أيام، ولقاؤه بوزير الداخلية، ثم توقيعه على “ميثاق المواطنة”، جدلاً واسعاً داخل الحركة وفي الأوساط السياسية الموريتانية. تقاربٌ وصفه البعض بالتحول، واعتبره آخرون مناورة في سياق الاستعداد للحوار الوطني المرتقب.
1. وقائع التقارب: من اللقاء إلى التوقيع
خلال أسبوع واحد، انتقل رئيس “أفلام” من سنوات المنفى والخطاب الراديكالي إلى قاعة اجتماع رسمية مع وزير الداخلية، ثم إلى طاولة توقيع على وثيقة تلزم بنبذ خطاب الكراهية وترسيخ قيم المواطنة. اللقاء عُقد بحضور لجنة الإشراف على الميثاق، وتلاه إعلان صال أن بنود الميثاق الاثني عشر “تعبر عن قناعاته”، مع اقتراحه تأسيس معهد للمواطنة وإطلاق قوافل وطنية للتواصل مع السكان.
الرسائل المعلنة من الطرفين واضحة: النظام يقدم عودة صال باعتبارها دليل انفتاح ونجاح لخيار التهدئة الذي يقوده الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. أما رئيس “أفلام” فيؤكد أن حركته متمسكة بالسلمية والعمل السياسي، وأن “موريتانيا لكل أبنائها”، لكنه يشترط وقف ما سماه الممارسات المهينة والإفراج عن المعتقلين السياسيين.
2. الانقسام داخل الحركة: بين الترحيب والتحفظ
داخل “أفلام”، برز خطان. الأول يرى في التقارب فرصة تاريخية لكسر العزلة وإعادة تموضع الحركة كفاعل سياسي شرعي يشارك في رسم المستقبل من الداخل. الثاني يعتبر الخطوة مخاطرة قد تضعف السردية التاريخية للحركة، وتؤثر على شعبيتها لدى القواعد التي بنت موقفها على معارضة النظام ووصفه بالديكتاتوري.
أنصار هذا الرأي يخشون أن يؤدي الانخراط في مسار الميثاق إلى “ترويض” الحركة وفقدانها ورقة الضغط الأخلاقي والسياسي، خصوصاً مع اقتراب الحوار الوطني. ويرون أن النظام يسعى إلى تفكيك الكتلة الرافضة عبر استقطاب رموزها.
3. قراءة النظام: احتواء أم توسيع قاعدة الحوار؟
من زاوية السلطة، يبدو التقارب مكسباً مزدوجاً: أولاً، تقديم دليل عملي على أن مشروع التهدئة والحوار مفتوح للجميع بمن فيهم أكثر الأطراف راديكالية سابقاً. ثانياً، تحييد خطاب اتُهم لعقود بتغذية الاستقطاب العرقي، وتحويله إلى شريك في وثيقة تلزم بالوحدة الوطنية.
ويرى مراقبون أن احتواء “أفلام” يقلل كلفة الحوار، ويمنح مخرجاته شرعية أوسع، ويقطع الطريق على أي محاولة لاستخدام ورقة المقاطعة للتشكيك في التمثيل. في المقابل، يدرك النظام أن أي انتكاسة في التفاهم قد تعيد إنتاج التوتر بشكل أكثر حدة.
4. الحوار الوطني: هل ينجح دون بيرام الداه اعبيد؟
أعلن النائب البرلماني ورئيس حركة “إيرا” وصاحب المرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بيرام الداه اعبيد، رفضه الصريح للمشاركة في الحوار الوطني المرتقب، وصعّد من حدة خطابه السياسي، داعياً مرات عديدة للتظاهر، خصوصاً بعد سجن نائبي الحركة مريم الشيخ جينك وعاشور.
ورغم هذا الموقف، فإن الحزب الذي انتُخب بيرام على لوائحه ممثل في البرلمان ويشارك في المشاورات التمهيدية المتعلقة بالحوار. كما أن لقاء الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بوفد المعارضة جرى بحضور النائب صمب تيام، الحليف السياسي المقرب الذي يعول عليه بيرام ويثق فيه.
هذا الواقع يطرح تساؤلات: هل يمكن للحوار أن ينجح بغياب بيرام الداه اعبيد وشعبيته الوازنة؟ وهل تكفي مشاركة حلفائه البرلمانيين لإضفاء الشرعية على مخرجاته؟ أم أن رفضه وسجن نائبين من حركته سيظل ثغرة يستخدمها الرافضون للتشكيك في شمولية الحوار وجدية مخرجاته؟
5. السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: اندماج تدريجي وضبط للخطاب
تواصل “أفلام” مسار التهدئة، وتتحول إلى حزب سياسي أو تنخرط في تحالف انتخابي. تستفيد من معهد المواطنة والقوافل الوطنية لطرح خطابها بصيغة جديدة. النظام يقدم إجراءات تهدئة محدودة: إفراج عن بعض الموقوفين، وانفتاح إعلامي. النتيجة: خفض التوتر، وتوسيع قاعدة الحوار، لكن مع خطر انشقاق جزء من القاعدة الرافضة للتقارب.
السيناريو الثاني: تعثر المسار والعودة للمربع الأول
تصطدم مطالب الحركة بسقف النظام، أو تفشل إجراءات بناء الثقة. يتراجع صال عن الخطوات الأخيرة تحت ضغط الشارع الداخلي للحركة. النتيجة: استثمار النظام لصور التوقيع واللقاءات كدليل على أنه “مد اليد”، وتحميل “أفلام” مسؤولية إفشال التهدئة. التوتر يعود بزخم أكبر قبل الحوار.
السيناريو الثالث: تقاسم أدوار و”مشاركة من الباطن”
تبقى “أفلام” خارج الحوار رسمياً، لكن حلفاؤها في البرلمان والحقل الحقوقي يتبنون أجندتها التفاوضية. النظام يتعامل مع المطالب عبر وسطاء. النتيجة: حوار يمضي دون صدام مباشر، لكن مخرجاته تظل محل تشكيك من قواعد الحركة، ويبقى ملف “أفلام” مؤجلاً لمرحلة لاحقة.
تقارب “أفلام” والنظام ليس حدثاً معزولاً، بل اختبار لجدية مشروع التهدئة من جهة، ولقدرة الحركة على إعادة تعريف نفسها من جهة ثانية. نجاحه يتطلب إدارة دقيقة للتوقعات: إجراءات ثقة ملموسة من السلطة، وخطاب مسؤول وواقعي من الحركة. الفشل سيعيد إنتاج الانقسام بخسائر أكبر للطرفين.
الحوار الوطني المرتقب سيكون المختبر الأول. إما أن يتحول التقارب إلى رافعة لميثاق اجتماعي جديد، أو يبقى مجرد صورة في أرشيف المناورات السياسية.
_صحفي – نواكشوط_
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل