منتدى الجاليات الموريتانية 2026.. رهان “نواكشوط” على “موريتانيا الأخرى”: تمكين تنموي أم استقطاب سياسي؟

إعداد وتحليل: محمد عبد الرحمن أحمد عالي

خاص | موقع الضمير الإخباري.

مع انطلاق جولات البعثات الدبلوماسية الموريتانية في عواصم إقليمية ودولية —آخرها داكار ولبريفيل— تحضيراً للنسخة الأولى من “منتدى الجاليات الموريتانية” المقرر في يناير 2026، يبرز تساؤل جوهري في المشهد السياسي الموريتاني: هل ينجح هذا المنتدى في تحويل ملايين المغتربين إلى رافعة تنموية حقيقية، أم أنه مجرد “تجميل سياسي” لواقع العلاقة المتوترة أحياناً بين المهجر والمركز؟

الرؤية والأهداف: الطموح الرسمي

يُنظر إلى المنتدى كترجمة لالتزام رئاسي قطعه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، يهدف إلى “مأسسة” علاقة الدولة بجالياتها. وبحسب وزارة الخارجية الموريتانية، فإن المنتدى يرتكز على ثلاث ركائز أساسية:

الشراكة التنموية: استقطاب الكفاءات والرساميل المهاجرة للمساهمة في المشاريع الوطنية.

الرقمنة والخدمات: تبسيط المساطر القنصلية عبر تطبيق “هويتي” وتسهيل الحصول على الوثائق المؤمنة.

الإشراك السياسي: تكريس المكتسبات الدستورية الأخيرة مثل ازدواجية الجنسية وانتخاب نواب الجاليات مباشرة.

الموالاة والمعارضة: صراع القراءات

في معسكر الموالاة: يرى أنصار النظام في هذا التحرك “ثورة هادئة” في السياسة الخارجية. ويؤكد الداعمون أن البعثات الحالية ليست مجرد وفود بروتوكولية، بل هي “ورشات عمل ميدانية” للاستماع لمشاكل المواطنين. ويستشهد هؤلاء بقرار تأجيل المنتدى من نوفمبر 2025 إلى يناير 2026 كدليل على “المرونة” والاستجابة لمطالب الجاليات، مما يضفي شرعية تشاورية على النتائج المرتقبة.

في معسكر المعارضة: تنظر قوى المعارضة وبعض “تنسيقيات المهجر” بعين الريبة لهذا التحرك. وتتلخص انتقاداتهم في أن آلية اختيار المشاركين قد تخضع لمنطق “الولاء السياسي”، معتبرين أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الحقوق القانونية للموريتانيين في الخارج ومواجهة أزمات الإقامة والترحيل، بدلاً من التركيز على “الاحتفاليات” التي قد تُستغل كمنصة دعائية انتخابية مبكرة.

ملحق تحليلي: “موريتانيا الأخرى” في لغة الأرقام

لا يمكن قراءة أبعاد هذا المنتدى بمعزل عن الوزن الديموغرافي والاقتصادي للموريتانيين في الخارج، وهو ما توضحه المؤشرات التالية:

1. التوزيع الجغرافي والثقل التصويتي

توزع الجالية الموريتانية على أربع دوائر انتخابية رئيسية تم استحداثها لتمثيلهم مباشرة في البرلمان:

دائرة أفريقيا: الثقل الأكبر (السنغال، مالي، كوت ديفوار)، وهي جالية “تجارية” بامتياز.

دائرة آسيا: تتركز في دول الخليج، وتتميز بوجود نخب فكرية وأكاديمية.

دائرة أوروبا: تتركز في فرنسا وإسبانيا، وهي الجالية الأكثر حراكاً حقوقياً ومعارضة سياسية.

دائرة أمريكا الشمالية: جالية صاعدة في الولايات المتحدة وكندا، تملك قوة ضغط متنامية.

2. المؤشرات الاقتصادية (تقديرات 2024-2025)

حجم التحويلات السنوية

~450 – 500 مليون دولار

دعم مباشر لميزان المدفوعات والقدرة الشرائية للأسر.

نسبة المساهمة في الاستثمار

أقل من 15%

تتركز معظمها في العقارات (هدف المنتدى رفعها).

الكفاءات المهاجرة

+10,000 متخصص

أطباء، مهندسون، وخبراء تقنيون (هجرة الأدمغة).

 

تحليل القيمة المضافة: التحدي الرقمي والسيادي

بإدخال تطبيق “هويتي” كعنصر أساسي، تسعى موريتانيا للحاق بركب الدول التي تملك “قاعدة بيانات بيومترية” لمواطنيها في الخارج. إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة الإدارة المحلية على تجاوز البيروقراطية لتسهيل استثمارات المغتربين.

كما يمثل المنتدى محاولة لكسر “عقدة الجنسية”؛ فبينما تؤكد الحكومة أن القانون الجديد ينهي معاناة آلاف المغتربين، تصر المعارضة على أن العائق يظل “إدارياً” في المقام الأول، ويحتاج لإرادة سياسية تتجاوز حدود اللقاءات التشاورية.

 

بين وعود السلطة بخلق “وطن يتسع للجميع” وتشكيك المعارضة في “جدية المسار”، يبقى منتدى الجاليات 2026 اختباراً حقيقياً للدبلوماسية الموريتانية. فإما أن ينتهي بتوصيات حبيسة الأدراج، أو يشكل بداية حقيقية لدمج “موريتانيا الأخرى” في مسار البناء الوطني الشامل

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!