بقلم: محمد عبد الرحمن أحمد عالي
في مجتمع يهمس فيه الكثيرون بأن “النجاح يحتاج لقرابة وزير أو تزكية جنرال”، يخرج شاب من عمق مقاطعة بوتلميت العريقة ليكسر هذه القاعدة، ويثبت أن “الوساطة” الوحيدة التي لا تُقهر هي الإرادة والعصامية. هي حكاية عبد الرحمن الشيخ؛ الشاب الذي لم تمنعه أسوار الظروف المادية المتوسطة من تحويل أحلامه إلى واقع ملموس، ليصبح اليوم رقماً صعباً في عالم التطوع والمناخ.
البدايات.. من أندية بوتلميت إلى هندسة العاصمة
لم تكن رحلة عبد الرحمن مفروشة بالورود، بل كانت مغامرة بدأت ملامحها في الأندية الشبابية بمدينة بوتلميت، هناك حيث تعلم أبجديات الخدمة العامة. انتقل إلى نواكشوط حاملاً طموحه في حقيبة دراسته الثانوية، ليختتم مساره الأكاديمي بشهادة مهندس في الهندسة الصناعية من المعهد العالي للتعليم التقني والفني.
اصطدم الشاب الطموح بحقيقة مرّة يواجهها آلاف الخريجين: “غياب الواسطة”. لكن بدلاً من الاستسلام لليأس، قرر عبد الرحمن أن يخلق مساره الخاص. رفض أن يكون ضحية للانتظار، فأسس مع زملائه نقابية كانت بمثابة “النواة” التي غيرت واقع حملة الشهادات التقنية في موريتانيا، حيث انتزعوا حقوقاً تاريخية، من أبرزها تعديل وضعية خريجي المعهد العالي والثانويات الفنية واعتبارهم شريكاً فاعلاً في عجلة البناء الوطني.
الخبرة القضائية.. حين تفرض الكفاءة نفسها
بناءً على خبرة ميدانية اكتسبها بعرق الجبين في القطاع الخاص، ودون “وساطة” تُذكر، خطى عبد الرحمن خطوة نوعية بدخوله عالم الخبرة القضائية، ليحصل على اعتماد رسمي كخبير قضائي في الهندسة الصناعية، وهو اعتراف قانوني ومهني لا يناله إلا من أثبت جدارة استثنائية في تخصص معقد.
سفير التطوع ومحامي المناخ
لم تكتفِ طموحات ابن بوتلميت بالنجاح المهني، بل امتدت لتشمل آفاقاً دولية. فقد تم اختياره ممثلاً رسمياً لمنظمة “منصة التطوع العالمية”، لينجح لاحقاً في تشريع فرعها بموريتانيا، ويمثل البلاد في مؤتمرات دولية بالمملكة المغربية، معززاً ثقافة العمل التطوعي كرافعة للتنمية.
هذا المسار الحافل لفت انتباه الخبراء الدوليين، حيث اختاره الخبير الموريتاني العالمي الدكتور عبد الرحمن سيد المختار – أحد أبرز قادة المناخ في إفريقيا – ليكون ضمن الفريق المؤسس لمنظمة “موريتانيا الخضراء”. ومن هنا، انطلق المهندس الشاب ليمثل صرخة القارة السمراء في مواجهة التغير المناخي، مشاركاً بقوة في مؤتمرات المناخ العالمية بـ أبوظبي (COP28) وأذربيجان (COP29)، حاملاً رؤية شبابية تسعى لتحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية.
رسالة للشباب
اليوم، يقف عبد الرحمن الشيخ كنموذج حي للشباب الموريتاني، مبرهناً على أن الطريق إلى “الخبرة القضائية” و”المنصات العالمية” يبدأ من الإيمان بالذات لا بـ “الهواتف النافذة”. هي قصة تقول لكل شاب في ريف موريتانيا أو مدنها المنسية: “إنجازاتك هي وساطتك الوحيدة، والتطوع هو الباب الذي يفتح لك آفاق العالم”.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل