الضمير الإخباري | تقارير اقتصادية . ضريبة التحويلات الرقمية: هل هي تمويل للتنمية أم رصاصة رحمة على فرص عمل الشباب؟

 

إعداد الصحفي: محمد عبد الرحمن أحمد عالي

 

نواكشوط – خاص “الضمير الإخباري”

يدخل الاقتصاد الموريتاني عام 2026 وسط حالة من الاستقطاب الحاد حول السياسات الجبائية الجديدة.

فبينما تسعى الحكومة لتعزيز استقلاليتها المالية وتمويل مشاريعها التنموية من مواردها الذاتية، تبرز أصوات تحذر من الانعكاسات الاجتماعية، بينما يرى آخرون أن الرفض الحالي ليس إلا غطاءً لمصالح ضيقة.

أولاً: المشهد الاقتصادي بالأرقام (توثيق المصادر)

يعيش الاقتصاد الموريتاني حالة من “النمو الحذر” تدعمها المؤشرات التالية:

النمو والدخل: انتقلت موريتانيا، وفقاً لتصنيفات البنك الدولي لعام 2025، من مصاف الدول الأكثر فقراً إلى فئة “الدول متوسطة الدخل”، حيث قُدر الناتج المحلي الإجمالي بنحو 11.95 مليار دولار [المصدر: بيانات البنك الدولي 2025].

التمويل الذاتي: تمول الدولة حالياً مشاريع تنموية كبرى (كهرباء، ماء، تعليم) بمبالغ تصل إلى 290 مليار أوقية من مواردها الخاصة، مقلصة اعتمادها التاريخي على الهبات والمساعدات [المصدر: وزارة الاقتصاد والمالية / تصريحات المستشار محمد آبه ولد الجيلاني].

التضخم والدين: انخفض التضخم إلى قرابة 2.5% في 2024، مع تراجع نسبة الدين الخارجي إلى 36.3% من الناتج المحلي الإجمالي، مما منح الدولة هامش مناورة أكبر في الاقتراض الدولي إذا رغبت [المصدر: تقرير صندوق النقد الدولي 2025].

ثانياً: ثلاث رؤى متصادمة حول الضرائب والتحويلات الرقمية

برز الجدل الأكبر حول “ضريبة المحافظ النقدية” (Bankily, Masrivi… إلخ)، حيث انقسمت الآراء إلى ثلاثة تيارات:

1. الرؤية الحكومية (محمد آبه ولد الجيلاني):

يرى مستشار الوزير الأول أن الضرائب هي الأداة الوحيدة لتمويل التنمية المستدامة وحفر الآبار وبناء المدارس.

ويؤكد أن النظام الضريبي الموريتاني يجب أن يُقارن بحجم الاستثمار الذي يعود للنفع العام، معتبراً أن الانتقادات غالباً ما تكون “طارئة وعابرة” لأنها تمس مصالح شخصية لمن اعتادوا التهرب الضريبي.

2. رؤية الرفض والتحذير الاجتماعي (نور الدين محمدو):

يتبنى رئيس حزب “موريتانيا إلى الأمام” موقفاً محذراً، مشيراً إلى أن فرض ضرائب غير مدروسة قد يهدد 7000 فرصة عمل يوفرها 4000 نقطة تحويل شبابية، مما قد يدفع هؤلاء الشباب نحو الهجرة.

ويستشهد بتجارب دول مثل تنزانيا وأوغندا التي تراجعت عن هذه الضرائب بعد فشلها، داعياً لنموذج المغرب وساحل العاج الذي يفرض الضريبة على “العمولة” لا على أصل المبلغ.

3. رؤية نقد “التهويل” والدفاع عن مصالح الكبار (الهيبة الشيخ سيداتي):

في زاوية أخرى، تبرز قراءة تحليلية ترى أن الضجيج المثار حول ضرائب التحويلات هو نوع من “التهويل” الممنهج. ويُعتقد أن رفض هذه الضرائب يخدم في المقام الأول التجار الكبار والفاعلين الاقتصاديين الضخمين الذين يستخدمون المحافظ الرقمية للتهرب من الرقابة المالية التقليدية.

فالهدف من الرفض، حسب هذه الرؤية، ليس حماية الفقراء بل حماية هوامش أرباح البنوك وكبار التجار الذين حققوا مداخيل من الرسوم تجاوزت 10 مليار أوقية قديمة في عام 2025 دون دفع ضرائب عادلة عنها للدولة.

ثالثاً: التحدي البنيوي (البطالة والشمول المالي)

رغم المؤشرات الكلية الإيجابية، يبقى الواقع الاجتماعي ضاغطاً:

البطالة: لا تزال البطالة بين الشباب تلامس سقف 23% [المصدر: البنك الدولي].

الشمول المالي: تعتمد نسبة كبيرة من السكان (أكثر من 80%) على القطاع غير المصنف والتحويلات الرقمية لغياب الحسابات البنكية التقليدية [المصدر: تقرير البنك المركزي الموريتاني].

ختاما

الاقتصاد الموريتاني في 2026 يقف أمام مفترق طرق؛ فإما المضي في تشديد الرقابة الجبائية لضمان سيادة الدولة المالية وتوسيع قاعدة التحصيل لتشمل “أرباح البنوك والتحويلات”، وهو ما يراه مؤيدو الدولة (مثل الجيلاني والهيبة) ضرورة لإنهاء زمن الهبات، وإما مراعاة هشاشة القطاع الخدمي الناشئ (نقاط التحويل) لتفادي أزمة تشغيل شبابية كما يحذر المعارضون (مثل نور الدين محمدو).

المصادر الرئيسية المعتمدة في المقال:

البنك الدولي – تقرير الوضعية الاقتصادية لموريتانيا (إصدار 2025).

صندوق النقد الدولي – مراجعة الأداء المالي لموريتانيا.

بيانات وزارة المالية الموريتانية وقانون المالية 2025-2026.

تصريحات إعلامية للفاعلين المذكورين (TTV ومصادر محلية).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!