اعداد/عبد الرحمن احمد عالي
أثار ملف وكالة الأخبار المستقلة حول صفقة التجهيزات الطبية التي موّلتها وزارة الصحة وتولى الجيش الموريتاني إبرامها، جدلاً واسعاً في الوسط الإعلامي والسياسي، نظراً لما تضمنه من وثائق ومعطيات تُشير إلى خروقات قانونية محتملة، وتأخر في التنفيذ، وتحويلات مالية مثيرة للتساؤل، إضافة إلى تغيير الشركات المورِّدة أكثر من مرة ودون منافسة.
وفي خضمّ هذا الجدل، انقسمت الآراء داخل الجسم الصحفي، بين من يرى أن القضية تحمل شبهات فعلية تستحق التحقيق، ومن يعتبر أنها جزء من صراع نفوذ وتصفية حسابات بين أطراف داخل الدولة.
رأي الصحفي حبيب الله أحمد: الملف “رداء أحمر” لصرف الأنظار
الصحفي حبيب الله أحمد قدّم قراءة سياسية دقيقة للملف، واعتبر أن تقرير وكالة الأخبار، رغم ما يتضمنه من معطيات، قد يكون مجرد:
> “رداء أحمر تم التلويح به أمام ثور المشهد السياسي المحلي الهائج”
> في ظل أجواء سياسية واجتماعية مشحونة بملفات حمراء:
> – الاحتقان المرتبط بملف الإرث الإنساني
> – ارتفاع الأسعار
> – ضغوط صندوق النقد والبنك الدوليين
> – قرارات حكومية غير شعبية، مثل تسريح مقدمي الخدمة
> – الحديث عن رفع أسعار المحروقات
> – تذبذب مسار الحرب على الفساد
ويضيف أن الملف قد يكون صُمّم لإشغال الرأي العام عن ملفات أخرى أكبر وأكثر حساسية، معتبراً أن:
> “لا وجود للعبث في تلاقي الإعلام والسياسة والمصالح”**،
> وأن ما يحدث أشبه بمحاولة من “المصارع” لتشتيت تركيز “الثور”، دون أن ينجح في الإمساك بقرنيه أو طرحه أرضاً.
رأي الصحفي عبد الله اتشفاق المختار: القضية تصفية حسابات
الصحفي عبد الله اتشفاق المختار يرى أن الملف جزء من معركة خلف الكواليس بين أطراف متصارعة، قائلاً:
“ليس لديّ جديد حول الصفقة، باستثناء أنها تصفية حسابات استخدم فيها البعض الإعلام ضد البعض الآخر.”
ويعترف بأن جهات عديدة ستنشر قريباً تفاصيل إضافية، مؤكداً أن الاهتمام الشعبي والإعلامي يمنحه هو نفسه فرصة للحصول على معطيات جديدة.
رأي الصحفي أحمد سالم التباخ: صراع يكشف ما كان مخفياً
أما الصحفي أحمد سالم التباخ، فذهب في اتجاه آخر، إذ اعتبر أن القضية تُظهر أن:
“سرقات البعض ظهرت على أيدي بعضهم ضد بعض وهم في أوج قوتهم.”
ويطرح تساؤلاً لافتاً:
> “هل يمكن القول إن ولد عبد العزيز قد زَبّاهم؟”
في إشارة إلى أن النظام الحالي يواجه نفس الاتهامات التي لاحقت النظام السابق، وربما على مستوى أوسع.
رأي الصحفي الهيبة ولد الشيخ سيداتي: توثيق للوقائع دون أحكام مسبقة
الصحفي الهيبة ولد الشيخ سيداتي، مدير وكالة الأخبار المستقلة، تمسّك بمهنية التحقيق، مؤكداً أن:
> الوكالة لم تتبنَّ اتهامات، بل نشرت وثائق وتسجيلات رسمية، وأتاحت حق الرد لوزارة الدفاع والجيش، إلا أن الجهات الرسمية لم تجب على الأسئلة الموجهة إليها.
كما أكد أن كل المعطيات قابلة للتطوير مع ورود ردود أو توضيحات جديدة.
تفاصيل الصفقة كما نشرتها وكالة الأخبار المستقلة
التقرير الاستقصائي قدّم معطيات عديدة، أبرزها:
* تنازل وزارة الصحة عن الصفقة للجيش دون مبرر قانوني واضح.
* إبرام صفقة بالتراضي مع شركة سنغالية (Fortunes Capital) بقيمة 5.19 مليون يورو.
* توقيع ملحق لاحق يرفع قيمة الصفقة إلى 8.18 مليون يورو.
* تحويل 4 ملايين يورو للشركة ثم استرجاعها بعد أسبوع بحجة اختلاف العملة.
* إلغاء الصفقة دون تطبيق عقوبات ودون سحب الضمان البنكي.
* دخول شركة مغربية (T2S) على الخط، وتوقيع صفقة جديدة معها بقيمة 5.19 مليون يورو.
* اشتراط الشركة المغربية دفع المبلغ كاملاً مقدماً.
* وجود حديث عن عمولات ووساطات وفق ما قاله مسؤول في الشركة السنغالية.
* عدم وصول التجهيزات للمستشفيات حتى اليوم رغم مرور قرابة عام.
أسئلة ما تزال بلا جواب
التقرير طرح أسئلة محورية، أهمها:
* لماذا تم منح صفقة صحية للجيش وليس لقطاع الصحة مباشرة؟
* لماذا تأخر تنفيذ الصفقة وفُسخت دون عقوبات؟
* كيف تغيّر المبلغ والجهات المنفذة أكثر من مرة؟
* ولماذا لم يُقدّم الجيش أو وزارة الصحة أي رد رسمي رغم منحهم الفرصة؟
تُظهر القضية تداخلاً معقداً بين الصفقات العمومية، نفوذ جهات داخل الدولة، وتجاذبات سياسية، في وقت يشهد فيه البلد توتراً اجتماعياً واقتصادياً يجعل من أي ملف حساس وقابلاً للاشتعال.
بين من يرى أن الملف يكشف فساداً حقيقياً، ومن يعتبره مجرد أداة في صراع سياسي، يبقى المواطن والمريض هما الأكثر تضرراً، في انتظار تجهيزات طبية كان يفترض أن تخفف الألم وتسرّع التشخيص وتحسن الخدمات الصحية… لكنها ما تزال عالقة بين السينغاليين والمغاربة والجيش، وبين الصفحات السياسية والإعلامي
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل