تعد الديمقراطية في موريتانيا من المواضيع الحيوية التي شكلت جزءاً مهماً من تاريخها المعاصر؛ على الرغم من التحديات الكثيرة التي واجهتها منذ نشأتها، إلا أن البلاد شهدت تطوراً ملموساً نحو الديمقراطية عبر مسارات مختلفة سواء كان ذلك من خلال التعديلات القانونية أو التجارب السياسية التي خاضتها. في هذه الورقة سنلقي الضوء على مسار الديمقراطية في موريتانيا منذ نشأتها، مستندين في ذلك إلى النصوص القانونية والمقارنة بتجارب بعض دول الجوار.
نشأة الديمقراطية في موريتانيا:
بدأت الديمقراطية في موريتانيا بشكل غير مباشر بعد استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي في 1960. خلال العقود الأولى من الاستقلال، كان نظام الحكم في موريتانيا استبدادياً، حيث تم فرض الحكم العسكري وتوجيه السلطة بيد عدد قليل من القادة العسكريين. استمر هذا الوضع حتى عام 1991، عندما قررت الحكومة الانتقال إلى نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب.
في عام 1991، تم تبني دستور جديد يمثل خطوة مهمة نحو بناء دولة ديمقراطية. هذا الدستور تضمن ضمانات مهمة لحقوق الإنسان والحريات العامة، كما نص على فصل السلطات وتعزيز دور البرلمان والمجالس المحلية، حيث تم إنشاء النظام البرلماني الذي يسمح للمواطنين بالمشاركة في الحياة السياسية من خلال انتخابات حرة ونزيهة.
التحولات القانونية والدستورية:
موريتانيا شهدت تغييرات عدة على المستوى الدستوري لتعزيز الديمقراطية. ففي عام 1991، كانت البداية بتبني الدستور الذي نص على فصل السلطات الثلاث: التنفيذية، التشريعية، والقضائية. كان الهدف من ذلك هو الحد من تركيز السلطة؛ وتعزيز دور مؤسسات الدولة في مراقبة بعضها البعض.
لكن بعد ذلك بسنوات من التجارب، واجهت موريتانيا تحديات تتعلق بتطبيق الديمقراطية بشكل فعّال. ففي عام 2005، قام الجيش بانقلاب عسكري أطاح بنظام الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، وهو ما أدى إلى مرحلة جديدة في مسار الديمقراطية؛ بعد هذا الانقلاب، عادت موريتانيا إلى النظام المدني عبر انتخابات شفافة، وكانت انتخابات 2007 بداية مرحلة جديدة مع انتخاب الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، الذي كان أول رئيس منتخب ديمقراطيًا منذ الاستقلال.
في 2008، وقع انقلاب آخر أطاح بحكم الرئيس المنتخب، لكن العملية الديمقراطية استمرت. في 2014، شهدت موريتانيا انتخابات رئاسية جديدة فاز فيها الرئيس محمد ولد عبد العزيز، واعتبرت الانتخابات خطوة جديدة نحو استقرار النظام الديمقراطي.
تجربة دول الجوار وتأثيرها على موريتانيا:
تعكس تجارب دول الجوار تأثيرًا كبيرًا على تطور الديمقراطية في موريتانيا، خصوصًا فيما يتعلق بنماذج الحكم العسكري وانتقالها إلى الديمقراطية. على سبيل المثال، في الجزائر، التي مرت بعدة تجارب انقلابية وأزمات سياسية مشابهة لموريتانيا، تم إرساء قواعد الديمقراطية بعد صراعات طويلة، ما ألهم موريتانيا في تعزيز مشاركتها السياسية تدريجياً.
وفي السنغال، التي شهدت تحولاً ديمقراطياً حقيقياً منذ التسعينات، كانت التجربة السنغالية مصدر إلهام لموريتانيا، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على التعددية الحزبية وتعزيز الشفافية في الانتخابات
التحديات الراهنة:
رغم الجهود التي بذلتها موريتانيا في تعزيز الديمقراطية، إلا أن البلاد ما زالت تواجه بعض التحديات الكبرى في هذا المجال. من بين أبرز هذه التحديات:
1- التحكم في السلطة:
رغم وجود انتخابات ديمقراطية، إلا أن السلطة التنفيذية في كثير من الأحيان تتمتع بنفوذ كبير على المؤسسات السياسية الأخرى، ما يؤدي إلى تقليص الدور الفعلي للمعارضة.
2- الفساد: ما زال الفساد يمثل عقبة كبيرة أمام استقرار الديمقراطية في موريتانيا، حيث تمثل شُبُهَات الفساد في المؤسسات الحكومية تحديًا رئيسيًا.
3- الحقوق والحريات:
على الرغم من وجود نصوص قانونية تضمن الحقوق الأساسية للمواطنين، إلا أن تطبيق هذه النصوص لا يزال يعاني من بعض المشاكل على أرض الواقع، مثل محدودية حرية الصحافة وحقوق الأقليات.
الخاتمة
تُظهر التجربة الديمقراطية في موريتانيا تطورًا مهمًا رغم الصعوبات والتحديات التي مرَّت بها. إن النصوص القانونية، مثل الدستور الموريتاني، تمثل الأساس الذي يمكن بناء الديمقراطية عليه، لكن التحديات الكبيرة تبقى في تطبيق هذه النصوص على أرض الواقع. بالنظر إلى تجارب دول الجوار مثل الجزائر والسنغال، يمكن لموريتانيا أن تستفيد من الأخطاء والنجاحات لتطوير تجربتها الديمقراطية بما يضمن استقرار البلاد وازدهارها.
الأمر الذي يسعى هذا النظام ل تجسيده.
بقلم/الدكتور الحسين محمد اشويخ
اداريي وزارة الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية.
نائب رئيس كتلة العهد “النخبة” فرع الميناء.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل