منذ فجر التاريخ، ارتبط مفهوم القيادة الحقيقية بقدرة القائد على حمل هموم أمته وتبني قضاياها الكبرى، لا بوصفه صاحب موقعً سلطويً أو امتيازً شخصيً، بل باعتبار الأمر تكليفً ومسؤولية لا تشريف، فالقائد الذي لا ينصت لنبض الأمة ولا يستجيب لتطلعاتها، يتحول حكمه إلى مجرد إدارة وقتية، بينما القائد الذي يحمل هموم أمته ويجعلها من أولوياته، يكون أكثر رسوخًا وأبقى أثرًا.
1- البعد الأخلاقي والفكري للقيادة :
إن حمل القائد لهموم الأمة ليس مجرد فعل سياسي، بل هو التزام أخلاقي وروحي. فالقيادة بهذا المفهوم العميق تعني الشعور بآلام الناس وتطلعاتهم، والانحياز لمصالحهم وقضاياهم الجماعية والفردية على حساب الراحة الفردية أو المكاسب الضيقة. إن هذا الشعور المتجذر قد يترجم إلى سياسات، وخطط، وإصلاحات تموية تُعالج جذور الأزمات وتفتح آفاق الأمل أمام المواطنين.
2- موريتانيا: نموذج معاصر
تُعد موريتانيا نموذجًا حيًا لإبراز قيمة هذا النمط من القيادة. فالبلد، بما يمتلكه من موقع استراتيجي وثروات طبيعية وثقافة راسخة، يواجه في المقابل تحديات التنمية، والاندماج الاجتماعي، وتثبيت قيم الديمقراطية والحكم الرشيد. وهنا يتجلى دور القائد في حمل هموم الأمة:
– محاربة الفقر والبطالة، عبر توجيه الموارد نحو التعليم والتشغيل المنتج “معاهد التكوين وبرنامج مشروعي مستقبلي”.
* تعزيز الوحدة الوطنية، عبر تجاوز مخلفات الماضي وبناء عقد اجتماعي جامع يعزز الانتماء المشترك ” قوانين ومراسيم مجرمة ومحاكم معالجة “.
* حماية الهوية الموريتانية
الغنية بمكوناتها العربية والإفريقية والإسلامية، وجعلها مصدر قوة لا سبب تفرقة “خطابي جول وتيشيت”.
* تثبيت العدالة “العدل أساس الملك كضمانة لحقوق الجميع، إذ لا نهضة بدون عدل ولا عدل بدون قيادة واعية بهموم الناس “طموحي لوطني”.
3- القيادة في زمن التحولات الدولية
في عالم سريع التغيرات، حيث التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية العابرة للحدود، يصبح حمل القائد لهموم شعبه مهمة مضاعفة. فهو مطالب بأن يحمي وطنه من المخاطر الخارجية، ويستثمر في الفرص المتاحة، ويمنح للأمة صوتًا مسموعًا في المحافل الدولية “الاتحاد الإفريقي ميثال حي لذلك”، وموريتانيا اليوم تسعى لتكريس هذه المعادلة عبر الانفتاح على الشراكات الدولية من موقع الندية، لا التبعية.
الخلاصة
القائد الحقيقي هو الذي يحيا بهموم أمته، ويتخذ من معاناتها دافعًا للبناء، ومن آمالها مشروعًا للمستقبل. وإذا كانت موريتانيا تخطو خطوات متقدمة في هذا الاتجاه، فإن الرهان الأكبر يظل قائمًا على استمرار هذا النهج، حتى تترسخ دولة العدالة والوحدة والتنمية. فالأمة التي تجد قائدًا يحمل همومها، هي أمة مرشحة لأن تنهض وتبدع وتستعيد مكانتها المستحقة بين الأمم.
بقلم الدكتور الاداري الحسين محمد اشويخ.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل