
يدور لغط حول الوحدة الوطنية الموريتانية على خلفية خطاب شرائحي مفتعل الغرض منه الإيحاء بسيناريوهات مرعبة لم يشهد لها التريخ الموريتاني مثيلا ،وهي سيناريوهات ترفضها ثقافة المجتمع وتقاليده ،ما يعني أنها مستوردة من الخيال لأجل التوظيف السياسي.
الوحدة الوطنية لا صلة لها باللونة ولا بالعرق ولا بمحل الميلاد ولا بالتاريخ ،وإنما تتصل بحقوق الناس ومنتطلبات حياتهم اليومية ،ولن تتحقق إلا بإعطاء كل ذي حق حقه ،مصداقا للمقولة (عدلت فأمنت) .
وإعطاء كل ذي حق حقه يتطلب سن قوانين عادلة مهمتها حماية حقوق الناس،وتلك المهمة تحتاج هي الأخرى إلى رجال يطبقون تلك القوانين تطبيقا صارما.
والسؤال المطروح :
كيف توجد قوانين قبل وجود مؤسسات قادرة على تطبيق تلك القوانين بشكل مهني – بعيدا عن العوامل الشخصية – تكون به تلك المؤسسات مستقلة عن قادتها الإدارين والقضائيين الذين بإمكانهم الإستقلال بها وتسخير مواردها المادية والبشرية ودورها الوظيفي لأغراضهم الشخصية ،وأغراض قرابتهم وحاشيتهم(سماسرتهم) ؟ نسأل الله السلامة.
وبما أن عملية تطبيق القوانين مترابطة فإن فشل تطبيقها في قطاع معين من شأنه أن يساهم بدور في إفشال مهمة تطبيقها في قطاعات أخرى ،ما قد يؤدي إلى تحالف ضمني بين جميع القطاعات المخالفة للقانون في سبيل حماية الجميع أوالتستر عليهم ،وبه استفاد السجناء على غرار زملاءهم الطلقاء -في القطاعات الأخرى- وتوقف تنفيذ العقوبات بحقهم في الجرائم التي حكم عليهم فيها إما بالقتل قصاصا أو بالرجم أو القطع أو الجلد !!
وإذا فشلت الدولة في مهمة منع وقوع الجريمة ثم فشلت بعد ذلك في المهمة الثانية وهي إنزال العقوبة فاعلم أن سوسا ما ينخر جسم تلك الدولة ،وهذا السوس ليس من الأنواع التي توكل الدولة إلى أجهزة الشرطة والدرك مهمة التصدي لها وحدها ،وإنما هناك جهات أخرى ينبغي أن تضطلع بدورها هي الأخرى !!!
فهل تلك الجهات تقوم بأدوارها على أكمل وجه ؟
لا يتم استقلال الإدارة و القضاء بتمكين المسؤول الإداري أو القضائي الأول في المؤسسة من التصرف كما يشاء حتى يستعبدها ويستعبد أصحاب الحقوق المتعلقة بها،وإنما يعني الإستقلال من هذا المنظور حماية المؤسسة من العوامل السلبية المؤثرة في شخصية من يديرها،وحمايته هو من تأثير أصحاب النفوذ والجبروت.
الإستعباد نوع من الإدارة يمارسه الرحمن الرحيم على جميع البشر بعدالة وإنصاف ،أما البشر فإن الإستعباد لا يناسب تسييرهم الحالي للمؤسسات والأفراد .
فالله هو الذي يديرنا ويدير جميع الكون ولهذا وجبت طاعته .
والله هو من ولى الرئيس وقادة الاجناد والقضاء وأوجب عليهم طاعته هو ،كما أوجب على الرعية طاعة هؤلاء ،وألزم أولياء الأمر بإقامة العدل وحماية الرعية وتوفير احتياجاتها ومنع الظلم ومعاقبة الظالمين المجرمين.
وإذا اختار الحاكم الحصول على مصداقية خارجية بدل امتثال اوامر الله وبدل حماية حقوق الناس ،وأدى به ذلك إلى الرضوخ للضغوط الأجنبية التي تسعى إلى حماية الحثالات وإطلاق يد بطشهم في الناس وتعطيل حدود الله ،وكان مظهر سلطة هذا الحاكم مقتصرا على إعاقة انتقام الناس من المجرمين بحمايتهم في السجون ، فهذا الحاكم ليس له أن يندم إن سقطت هيبته كما سقطعت هيبة نيرون من قبل والذي كان يشارك اللصوص ويخرج معهم متنكرا ويعود قبل الفجر ..فالإحترام مصدره الثقة وليس الخوف !!
والله هو من خلق الوالد والولد والعاقلة (القبيلة)،وأوجب على الوالد والولد طاعة خالقهما بمافيه أداء حق الرحم كطاعة الولد لوالده وأداء نصيبهما مما قد تتحمله العاقلة من جنايات عناصرها ،ثم المساهمة في التربية الأخلاقية لتلك العناصر لعل وعسى ذلك يؤدي إلى تقليص جنايات تلك العناصر وخفض أخطائها التي تدفع العاقلة ثمنها كل حين على الصعيدين المادي والمعنوي.
ومادام هذا النظام هو النظام الإداري الشامل فينبغي أن يبقى بعيدا عن الدعاية السياسة وطرق التأثير الإنتخابي .
وبالمناسبة يبغي أن يعلم أعداء هذا النظام أن الثورة على الظلم والتخلف والإستعباد المؤسسي تختلف عن الثورة على الشريعة الإسلامية التي تعتمدها الجمهورية الإسلامية الموريتانية كمصدر وحيد للقانون.
فالتخلف المادي ليس سببه المعتقد وإنما سببه التحالف القائم ضد العدل والانصاف والذي سبق التطرق إليه.يضاف إليه كون الكوادر المهاجرة لاتسعى إلى توطين تجارب الأمم التي هاجرت إليها وإنما قسم من تلك الكوادر مصاب بالإعتزال أو ألا مبالاة والقسم الآخر يقتصر دوره على الوصف لواقعنا ومقارنته بواقع تلك البلاد التي يقدمها كفردوس مرغوب ،في حين يصف وطنه وصفا لا يجذب السياح بل يصنفه كجحيم منبوذ يجب الفرار منه ،وهكذا !!
وإذا رجعنا مرة أخرى إلى الفوضى والعدل نلاحظ أن الله الذي خلق الكون بمافيه البشر وهم عبيده بالإيجاد شرع لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم -من خلال الجهاد- استعباد منهزمة المشركين من بعض القبائل والأمم حتى لا تباد تلك المنهزمة وحتى يستعبدها من يعبدون الله وحده لعلها ترجع إلى رشدها وتعبده معهم وتكفر بالأوثان التي كان لها سدنة يستعبدون تلك الأمم.
التوحيد إذن هو القائد نحو الحرية والعدل والإنصاف ويهدي إلى قنوات كثيرة مفتحة لهذا الغرض منها الكفارات والقربات وصرف الزكواة وغيرها.
ومن هنا يكون من واجب دعاة الحرية والتنوير التصدي للوثنة باعتبارها من أشد أنواع الإستعباد خطرا ،كما عليهم التصدي للإستعباد المؤسسي الذي يحطم الحدود الفاصلة بين الحقوق العامة والخاصة ويهدد النظام العام لتداول الحقوق داخل المجتمع والدولة..والله الموفق.
المحامي محمد سدينا ولد الشيخ
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل