الراظي ولد محمود: رجل اختار الصمت والواجب بدل الأضواء/ محمد الامين سيدي عبدالله

 

منذ أيام وأنا أتابع بعض الكتابات التي تتحدث عن ضابط الصف السابق المتقاعد في الدرك الوطني الراظي_ولد_محمود(ولد أعمر علما) وتسجيل هذه الشهادة لم يأتِ بدافع علاقة شخصية بالرجل، ولا بسبب صلة أو مصلحة من أي نوع بل هو حديث تأخرت فيه كثيراً، فقد ترددت أكثر من مرة قبل أن أكتب عنه أو عن غيره، احتراما لمبدأ أن الأعمال الجليلة لا تحتاج دائما إلى من يتحدث عنها.

 

لكن مادام بعض الإخوة قد سبقوا إلى الحديث عنه، فقد رأيت أن من الإنصاف أن أذكر بعض ما عرفته عنه، من مواقف شاهدت بعضها بنفسي، وسمعت بعضها الآخر من أشخاص ثقات عايشوه وعرفوا مسيرته.

ومع ذلك، سأحترم خصوصية بعض التفاصيل، لأن هناك مواقف تبقى لصاحبها، وربما لم يحن وقت الحديث عنها، أو لأن المقام لا يتسع لذكرها.

 

وهذه الشهادة لا أوردها من باب المجاملة أو الإطراء المجرد، وإنما لما وقفت عليه من مواقف وشهادات، وما عرفته عن شخصية اختارت طريق العمل بصمت، بعيدا عن الأضواء وضجيج الظهور.

 

فقد كان من الذين يرون أن قيمة #الإنسان فيما يقدمه لوطنه، لا فيما يحصده من #شهرة أو مكانة.

ممن لا يبحثون عن علو في الأرض ولا عن فساد، وإنما يحملون مسؤولية الواجب ويؤدونه بإخلاص وانضباط.

 

ولعل ما يميز مسيرة الضابط السابق في الدرك الوطني، الراظي ولد محمود، أنه كان نموذجا لرجل الدرك الذي جمع بين طبيعة هذه المؤسسة ومقتضيات رسالتها؛ فقد أدرك أن رجل الدرك ليس مجرد حامل للزي العسكري، وإنما هو رجل يجمع بين حفظ الأمن والسلم العام، وأداء مهام الضبطية القضائية في إطار القانون، بما يتطلبه ذلك من عدل وحكمة وحسن تقدير للمواقف.

 

كما أن التكوين العسكري الذي حظي به انعكس في شخصيته انضباطا والتزاما وشعوراً بالمسؤولية، فكان حازما حين يكون الحزم مطلوبا، ومتزنا حين يكون التعامل بالحكمة هو الطريق الأنسب.

ولم يقتصر عطاؤه على أداء واجبه، بل امتد إلى نقل الخبرة وغرس قيم الانضباط والالتزام في من عملوا معه، فزرع في طلابه روح الدرك، وروح المسؤولية والانتماء للمؤسسة.

 

وقد جمع إلى جانب تكوينه العسكري تربية أخلاقية ودينية راسخة، وقِيما أصيلة جعلته يترفع عن كل ما يمس المروءة أو يخالف مبادئ الشرف والاحترام.

كما كان يتمتع بحضور قوي وبنية جسدية مميزة، وهي من الصفات التي تعطي القائد هيبته وحضوره، وقد جعلت أصحاب السلوكيات الخارجة عن القانون يدركون أمامه أن الحزم والانضباط ليسا أمرا يمكن تجاوزه.

 

وبحكم عملي سابقا، وما فرضه علي ذلك من اختلاط واسع بالناس والتعرف على مختلف شرائح المجتمع، فقد سمعت الكثير عن الراظي ولد محمود وعن غيره من الكفاءات الوطنية التي يزخر بها هذا الوطن.

وهي كفاءات تركت مواقعها في وقت كان الوطن في أمس الحاجة إلى خبرتها وتجربتها، وهو ما يطرح دائما سؤال الوفاء لأصحاب العطاء والاستفادة من خبراتهم حتى بعد انتهاء مساراتهم الوظيفية.

 

وقد عرفه من اقترب منه بالإنصاف والحزم، وبالالتزام بأداء الواجب، فكان ممن تركوا أثراً طيبا لدى من عرفوه، لأن قيمة الرجال تُقاس بما يتركونه من أثر، وبما يحملونه من أمانة ومسؤولية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *