الصيادون في موريتانيا…أقل مستفيد من الثروة السمكية/محمد الأمين إسلم

تمتلك موريتانيا شاطئا بحريا مطلا على المحيط الأطلسي بطول 750 كلم يتميز بكثافة غير مسجلة في غالبية شواطيء العالم، حيث تعيش الثروة السمكية على سواحل موريتانيا، لتشكل موردًا رئيسا هامًا لشريان الاقتصاد المحلي هناك.

تمتد الشواطيء الموريتانية، الأغنى حول العالم بأنواع الأسماك التي تصل إلى 700 نوع، منها 170 نوعًا قابلًا للتسويق عالميًا، لا سيما مع عدد من الدول أبرزها دول الاتحاد الأوروبي، واليابان والصين وروسيا و ساحل العاج، حسب إحصائيات صادرة عن الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك (SMCP) (حكومية).

وتعد موريتانيا أكبر مصدر عربي للأسماك بنحو 44% من إجمالي الصادرات العربية، كما تملك 18% من إنتاج الأسماك العربية، لتحتل بذلك المرتبة الثالثة بعد المغرب ومصر، وكانت تصدر نحو 95% من مجموع ثروتها السمكية للاتحاد الأوروبي، قبل أن تعلن وزارة الصيد الموريتانية الشهر الماضي عن توصلها الاتفاق جديد مع الاتحاد الأوروبي مدته ست سنوات.

ووصلت مساهمة قطاع الصيد البحري إلى 23.9 مليار من الأوقية الجديدة أي نسبة 9.4% من الناتج الداخلي الخام حسب إحصائيات 2018، ويشغل القطاع حوالي 66460 عامل حسب إحصائيات 2017 منها 42900 في الصيد التقليدي، 6200 في الصيد الشاطئي، 4800 في الصيد الصناعي.
 

سياسات لم تنفذ

وفي آخر تصريح له خلال مساءلة قدمت له في الجمعية الوطنية (البرلمان الموريتاني) قال وزير الصيد والاقتصاد البحري، أدي ولد الزين نهاية الشهر الماضي إن السياسات والخطط التي وضعت في هذا القطاع لم تنفذ، مشيرا إلى أن كل ما تم القيام به هو الإجراءات التي تمكن الشخص من ممارسة الصيد.

وأضاف ولد الزين أن الاستثمارات التي قامت بها البلاد على طول الساحل في مجال الصيد منذ الاستقلال وحتى اليوم قليلة جدا، مشيرا إلى أن ما هو موجود حاليا من استثمار في هذا المجال، يتعلق بمينائي تانيت وانجاكو، اللذين تم استلامهما في نهاية سنة 2019، حيث تم تشييدهما دون ربطهما بخدمات الكهرباء والمياه مع عدم وجود مصانع كذلك.

وأشار ولد الزين إلى أن الاستثمارات التي قامت بها الدولة في هذا المجال، شملت بالإضافة إلى المينائين السابقين ميناء نواذيبو الذي يعاني هو الآخر من بعض النواقص، معتبرا أن الوزارة بدأت العمل من أجل تشغيل مينائي تانيت وانجاكو، حيث بدأ أحدهما في العمل فعليا، والآخر يجري العمل حاليا على توفير الظروف المناسبة لبدإ تشغيله.

ونبه ولد الزين إلى أن سياسة قطاع الصيد يجب أن تعتمد على البحث العلمي، وتعزيز الرقابة البحرية، مشيرا إلى وجود طاقم بشري لديه قدرات علمية كبيرة في هذا المجال ولكن لم توفر له الآليات المناسبة التي تمكنه من تفعيل أداء هذا القطاع.

وأوضح ولد الزين أن الخطة الجديدة التي تم وضعها هدفها الأول هو حماية الثروة السمكية، وتعزيز الأسطول الوطني، مشيرا إلى أن كثرة القرارات والاستراتيجيات والخطط التي تم اعتمادها في القطاع، قد تكون أثرت على تطوير أداء المستثمرين في هذا المجال.

أزمة كوفيد – 19

محمد امبارك ولد نافع قبطان يعمل في الصيد التقليدي منذ مايربو على 15 سنة قال إن الصيد التقليدي يعاني من مشاكل كثيرة أبرزها تدني أسعار الأسماك خاصة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، وارتفاع سعر المحروقات ليبقى الصياد التقليدي هو الضحية في النهاية.

وتابع قائلا: “الصيد التقليدي حاصرته كورونا من جهة و الحكومة الموريتانية من عدة جهات حيث أغلق البحر لمدة ثلاثة أشهر ولم تتم مساعدته بل تم طرح العراقيل أمامه في ظل أزمة كوفيد – 19.

وأكد ولد نافع أن الصيد التقليدي لم يمنح أصحابه أي قرض من القروض التي أعلن عنها خلال الأشهر الماضية، رغم أن النقابات لم تترك بابا إلا وطرقته من أجل أن يستفيد الصياد التقليدي من مساعدات الدولة وهو مالم يتحقق للأسف بل إن بعض الصياديين لم يعد عنده قوت يومه، كما تم إغلاق أبواب الميناء في وجه الصياديين التقليديين وقيل لهم إنه لابد من دفع 2000 قديمة لمن أراد منهم أن يدخل الميناء.

وقال ولد نافع إن أزمة كوفيد – 19 أثرت على الصيد التقليدي خاصة في ظل حظر التجوال في الفترة الأولى منه حيث تعرض السمك للتلف لأن هناك مناطق ليست فيها وسائل اتصال ولم يكن أصحابها على علم بفترة الحظر التي تم تحديدها وقد تأثر الكثير منهم حيث أصبح الواحد منهم يأتي بالسمك وتمنعه خفر السواحل من الذهاب به إلى الميناء بسبب حظر التجوال، مردفا أن هناك مناطق في البحر بعيدة جدا و إذا لم يتم تسهيل العمل فيها للصياد التقليدي لايمكنه أن يأتي منها بسمكة واحدة، فإذا حاول العمل في المساء وهي حالة نادرة سيأتي مرهقا لايستطيع بيع بضاعته، وإذا بدأ العمل في الصباح لن يصل الميناء إلا وقد بدء الحظر فهذه بعض العوامل التي أثرت على الصياد التقليدي بعد بدء أزمة كوفيد – 19.

واعتبر ولد نافع أن أزمة كوفيد – 19 صاحبتها ندرة في السمك وتشتت في اليد العاملة خاصة أن أغلب الصياديين التقليديين لايعرفون إلا نوعية السمك التي تسمى الأخطبوط “ابلبل”، وفي نفس الفترة حصلت هجرة نحو الذهب لأن الصياد أغلقت الطرق في وجهه وأصبح لزاما عليه أن يبحث عن طريق للعيش مردفا أنه بدل أن يدعم أغلقت عليه الأبواب والحكومة خلال أزمة كورونا – التي أنهكت اقتصاد دول عظمى – لم تقدم للصيد التقليدي أي مساعدة بل قامت بمضايقة من يمارسونه.

وأضاف ولد نافع أن أبرز مايعاني منه الصيد التقليدي في موريتانيا تعيين أشخاص على إداراته لاعلاقة لهم به ولايعرفونه بل قد يكون الواحد منهم لم يسمع به من قبل إلا عن طريق وسائل الإعلام وهذه كارثة تنضاف لكوارث التهميش وللامبالاة التي يعيشها القطاع.

وأكد ولد نافع أن شركة تسويق الأسماك عاجزة عن تحديد سعر ما يتم بيعه على الشاطئ حتى يتمكن الصياد التقليدي من تأمين قوته اليومي.

رخصة الصيد

وقال ولد نافع إنه بالنسبة لرخص الصيد تبدأ في الشهر الأول من السنة ولايمكن أن يأتي شهر فبراير إلا وجميع ملاك السفن قد أخذوا تلك الرخص، مردفا أن الوزارة أعلنت عن إعفاء ملاك السفن منها خلال السنة الماضية قبل أن تتراجع عن القرار وتبدأ تطبيقه من جديد مع بداية السنة الجارية.

وأكد ولد نافع أنه من أبرز مطالب الصياديين التقليديين خلال السنة الجارية 2021 إعفاؤهم من تلك الرخص وقد راسلت معظم النقابات الوزارة المعنية وتلك بدورها أبلغت النقابات أنها راسلت الوزارة الأولى لكن المماطلة لاتزال سيدة الموقف، كنا نتوقع ذلك الإعفاء الذي تم الإعلان عنه العام الماضي رغم أننا لم نستفد منه لأنه جاء بعد أخذ رخص تلك السنة.

وأضاف: “ما أريد تأكيده هو أن الأسعار التي أعلن عنها بعد الافتتاح الحالي ليست هي المعتمدة حاليا على الشاطئ، فخلال شهر يونيو كان سعر الكيلو غرام الواحد من السمك 2200 قديمة، وهو الآن ب 3700 فمن أين جاءت زيادة 1500 قديمة، لاتفسير لها غير أن هناك لوبيا يجد شيئا تحت الطاولة، هذا بالإضافة إلى ندرة السمك وكثرة الطلب عليه مما جعل القائمين عليه يحاولون تقاسمه حتى يحصل كل واحد منهم على الكمية التي يريدها زبونه وهذا يؤكد لنا أن الصياد هو الضحية دائما”.

إنشاء شركة وطنية

ولفت ولد نافع إلى أن الصياديين التقليديين يطالبون دائما بإنشاء شركة وطنية حتى إذا ما أراد اللوبي الموجود استغلال تلك الثروة لصالحه تقف تلك الشركة في وجهه وتحاول منعه من ذلك، وتحمي للصياد منتوجه، بل وتحافظ على التسعرة المحددة عالميا.

وشدد ولد نافع على أنه ليست هناك أي حماية للصيد التقليدي من أي جهة، كانت مضيفا “هذا المنتوج تم التكالب عليه من طرف رجال الأعمال حيث أصبح الواحد منهم يتحكم في سعر السمك بشكل يضر الصياديين ويضر المنتوج في بعض الأحيان”.

وأكد ولد نافع أن الصياد التقليدي يعاني من عدم التكوين حيث لايوجد – حسب علمي – صياد تقليدي مكون تكوينا مثل تكوين الصياديين الصناعيين، فأغلب الصياديين التقليديين كوًنوا أنفسهم بأنفسهم وأعتقد أن هذا هو السبب في كثرة الحوادث وعدم الوعي لأنهم لم يُكَونُوا حتى يكونوا على اطلاع بالثروة ومايضر بها ومايضر بالبيئة ومايضر بالصياد نفسه.

وأردف ولد نافع أن الجهات المعنية بدل أن يكون هدفها الأول هو تكوين الصياد التقليدي جعلت هدفها الأول زيادة الضرائب، مع أن الصياد التقليدي لايمتنع عن دفع الضريبة لكنه في المقابل يجب أن يحصل على تكوينات مقابل تلك الضريبة التي تؤخذ منه.

وتابع قائلا: “أما بالنسبة للصياديين التقليديين فلايمكن حصرهم هناك نسبة تقريبية كانت آخر إحصائيات سنة 2017 تقول بأن الصياديين التقلديين يتجاوزون 10000 آلاف في نواكشوط ونواذيبو 4800 منها في نواذيبو وهذا بالنسبة للزوارق فقط أي الصيد التقليدي دون الصيد الشاطئ، مردفا أن الصيد الشاطئ له هو الآخر معاناته حيث تتجاوز سفنه الآن 300 سفينة”.

وقال ولد نافع إن الصياديين التقليدين يطالبون بوسيلة إنقاذ سريعة وشبكات اتصال داخل عمق البحر لأن الكثير من الحوادث التي وقعت في عمق البحر سببها الرئيسي عدم وجود وسيلة إنقاذ أو اتصال يمكن لصاحب السفينة الإبلاغ من خلالها عن ماتعرضت له السفينة.

معاناة الصياد التقليدي

وذكر مختصون أن هناك استنزافا مفرطًا للثورة البحرية من قبل الأسطول الصيني والتركي والأوروبي، حيث يصطاد الأخير على نطاق واسع بالمياه الموريتانية.

محمد الأمين أحمد، عضو المكتب التنفيذي لإحدى نقابات الصياديين التقليديين، قال إن الحكومة لا تقدم ما يكفي من دعم للصيادين المحليين، مشيرًا إلى أنهم يعانون بشدة جراء منافسة الأجانب وسفن الصيد العالمية العملاقة، مضيفا أن أزمة كوفيد – 19 زادت من معاناتهم حيث أصبح الواحد منهم تمر عليه الأيام لايجد شيئا يشتري به اليضاعة حسب تعبيره.

وأضاف ولد أحمد، أن الحكومة مطالبة بعمل خطة من أجل تنمية قطاع الصيد التقليدي، لتأمين السوق المحلية بالأسماك، بدل إعطاء الأولوية للسفن العالمية التي توجه حمولتها للأسواق الدولية.

وتابع قائلا: “الحكومة لا توفر أي نوع من الحماية للصيادين المحليين، لذا نطالبها بتوفير الحماية وتقديم الدعم لتطوير القطاع وتوفير مزيد من فرص العمل للحد من البطالة”.

لا معايير للصيد

أما عبد الله مالك صو (تاجر أسماك على الشاطئ الموريتاني)، فقال كنا نعاني من نهب السفن الدولية خصوصًا الصينية التي باتت تشكل خطرًا حقيقيًا على مستقبل الثروة السمكية واليوم ازدادت معاناتنا بسبب أزمة كوفيد – 19 رغم أن الحكومة لم تعرنا أي اهتمام ولم تمنحنا أي مساعدات في ظل الأزمة التي أنهكت اقتصاد دول عظمى.

وأضاف صو: “حياة الصياديين التقليديين أصبحت مهددة جراء غياب المعايير اللازمة لعمليات الصيد التي تقوم بها السفن الأجنبية، وضعف الرقابة على السفن المرخص لها.

وأكد صو، أن السفن العالمية المرخص لها بالصيد، لا تراعي المعايير البيئية، ما يتسبب في تلوث المحيط ويهدد مخزون البلاد من الأسماك.

ودعا صو الحكومة الموريتانية إلى اتخاذ خطوات سريعة من أجل اتخاذ تدابير لحماية مخزون البلاد من الأسماك، من خلال مراقبة عمليات صيد السفن العملاقة.

وحسب تقارير صادرة عن المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصّيد IMROP، شهدت كميات الصيد التقليدي تزايدا في السنوات الأخيرة، حيث انتقلت الكميات المصطادة من 29000 طن سنة 2006 إلى 138000 طن سنة 2018.

وحسب نفس المصدر السابق فإن الصيد التقليدي يمثل نسبة 11% من كميات الصيد في 2019.

وفي العام 2018 يوجد 6809 زورق صيد تقليدي نشط، في حين بلغ عدد العاملين في القطاع بشكل مباشر 66461 منها 42903 صياد تقليدي أي نسبة 64%.

تم نشر هذا التقرير بدعم من JHR/JDH – صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *