لم تعد الجاليات الموريتانية المقيمة بالخارج مجرد تجمعات بشرية تربطها بالوطن أواصر الانتماء والحنين، بل أصبحت، بحكم امتدادها الجغرافي وتنوع خبراتها وتعدد مواقع حضورها، رصيداً وطنياً استراتيجياً يمكن أن يسهم بصورة فاعلة في تعزيز التنمية الاقتصادية، وترسيخ التماسك الاجتماعي، وتوسيع الحضور السياسي والدبلوماسي لموريتانيا في محيطها الإقليمي والدولي.
ومن هذا المنطلق، فإن النظر إلى الجاليات الموريتانية ينبغي أن يتجاوز المقاربة التقليدية التي تحصر دورها في تحويل الأموال والمساعدات الأسرية، إلى مقاربة وطنية شاملة تعتبرها شريكاً في التنمية، وامتداداً للمصالح الوطنية، وقوة ناعمة من قوى الحضور الموريتاني في العالم.
أولاً: الدور الاقتصادي؛ من تحويل الأموال إلى الاستثمار المنتج
تؤدي الجاليات الموريتانية دوراً اقتصادياً مهماً من خلال التحويلات المالية التي تسهم في تحسين الظروف المعيشية للأسر، وتعزيز قدرتها الشرائية، ودعم الاستقرار الاجتماعي. غير أن القيمة الاقتصادية لهذه الجاليات لا ينبغي أن تقاس بحجم التحويلات وحدها، بل بما يمكن أن توفره من فرص استثمارية، وخبرات مهنية، وشبكات علاقات تجارية ومالية.
فالموريتانيون بالخارج يمتلكون إمكانات يمكن توجيهها نحو الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصيد والطاقة والمعادن والسياحة والخدمات، فضلاً عن إمكانية نقل المعرفة والتكنولوجيا وتطوير المبادرات المقاولاتية.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة في تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير الضمانات القانونية، وإحداث آليات مؤسسية للتواصل مع المستثمرين من أبناء الجاليات، بما يحول ارتباطهم بالوطن من ارتباط عاطفي إلى مساهمة اقتصادية منظمة ومستدامة.
ثانياً: الدور الاجتماعي؛ صيانة الروابط الوطنية وتعزيز رأس المال البشري
تضطلع الجاليات بدور اجتماعي يتجاوز حدود الأسر والعائلات، إذ تسهم في دعم التعليم والصحة والتكافل الاجتماعي، وتمويل المبادرات الخيرية، ومساندة الفئات الهشة، فضلاً عن المحافظة على الهوية الوطنية والثقافية لدى الأجيال الناشئة في بلدان المهجر.
كما تمثل الكفاءات الموريتانية بالخارج رصيداً بشرياً مهماً، لما اكتسبته من تجارب علمية ومهنية ومهارات في مجالات الإدارة والتسيير والبحث والابتكار.
ومن ثم، فإن الاستفادة من هذا الرصيد تقتضي بناء جسور مؤسسية بين الكفاءات الوطنية في الخارج ومختلف القطاعات العمومية والخاصة في الداخل، وتشجيع تبادل الخبرات، وإتاحة فرص المساهمة في البرامج التنموية، دون أن يكون ذلك مشروطاً بالعودة النهائية إلى الوطن.
ثالثاً: الدور السياسي والدبلوماسي؛ تعزيز صورة الدولة وحضورها الدولي
تمثل الجاليات الموريتانية في الخارج امتداداً طبيعياً للحضور الوطني، وقوة ناعمة قادرة على التعريف بموريتانيا والدفاع عن مصالحها، وتعزيز صورتها لدى المجتمعات ومراكز التأثير وصناع القرار في بلدان الإقامة.
فأفراد الجاليات، بما يملكونه من علاقات اجتماعية ومهنية وأكاديمية وإعلامية، يستطيعون الإسهام في بناء جسور التواصل والتعاون، وفتح آفاق الشراكة، والتعريف بالمؤهلات الاقتصادية والثقافية للبلاد.
كما يمكن للكفاءات الموريتانية التي تتبوأ مواقع متقدمة في المؤسسات السياسية والأكاديمية والاقتصادية بالخارج أن تشكل جسراً للتأثير الإيجابي في العلاقات الثنائية، وأن تسهم في تعزيز المصالح الوطنية والدفاع عنها بالوسائل المشروعة.
وهذا الدور لا يعني تحويل الجاليات إلى أدوات للاستقطاب السياسي أو التوظيف الحزبي، وإنما تمكينها من ممارسة مواطنتها والمساهمة في خدمة المصالح العليا للدولة، في إطار من الاستقلالية والمسؤولية واحترام قوانين بلدان الإقامة.
رابعاً: ما الذي تستلزمه هذه الأدوار من الدولة الموريتانية؟
إن تعاظم الأدوار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للجاليات يفرض على الدولة الانتقال من منطق الرعاية الإدارية المحدودة إلى منطق الشراكة الاستراتيجية، وذلك من خلال جملة من التدابير، أهمها:
1\. إرساء سياسة وطنية متكاملة للجاليات: تقوم على رؤية واضحة، تحدد الأهداف والأولويات، وتنسق بين القطاعات الحكومية المعنية.
2\. تعزيز التمثيل المؤسسي: تطوير أداء السفارات والقنصليات، والارتقاء بخدماتها القنصلية والإدارية، وجعلها فضاءات فعلية لمواكبة المواطنين ورعاية مصالحهم.
3\. تحفيز الاستثمار: إنشاء آليات عملية لاستقبال المبادرات الاستثمارية للجاليات، وتوفير المعلومات والضمانات والتسهيلات اللازمة لها.
4\. استقطاب الكفاءات والخبرات: إنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات الموريتانية بالخارج، والاستفادة منها في الاستشارات والتكوين ونقل الخبرات والمساهمة في إصلاح الإدارة وتطوير القطاعات الإنتاجية.
5\. تعزيز المشاركة والتواصل: تنظيم لقاءات دورية ومنتديات وطنية تجمع ممثلي الجاليات بالسلطات العمومية والفاعلين الاقتصاديين، بما يضمن الاستماع إلى تطلعاتهم وإشراكهم في النقاش حول القضايا الوطنية.
6\. حماية الحقوق والمصالح: توفير المواكبة القانونية والقنصلية للمواطنين، وتعزيز قدرتهم على مواجهة التحديات المرتبطة بالإقامة والعمل والاندماج في بلدان المهجر.
إن الجاليات الموريتانية ليست مجرد امتداد جغرافي للمجتمع الوطني خارج الحدود، بل هي امتداد لرأس المال الاقتصادي والبشري والاجتماعي والسياسي للدولة. وما تمتلكه من خبرات وإمكانات وعلاقات دولية يجعل منها شريكاً لا غنى عنه في مسار التنمية وتعزيز مكانة موريتانيا.
ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إثبات أهمية هذه الجاليات، بقدر ما يكمن في قدرة الدولة على تحويل هذه الأهمية إلى سياسة عمومية واضحة، وآليات مؤسسية فعالة، وشراكة متبادلة الحقوق والواجبات.
فالدولة التي تحسن استثمار طاقات أبنائها في الداخل والخارج، لا توسع مجال حضورها الجغرافي فحسب، بل توسع أيضاً مجال تأثيرها الاقتصادي والحضاري والسياسي.
بقلم: الاداري الدكتور الحسين محمد اشويخ .
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل