الضمير الإخباري | قراءة تحليلية
لم تكن تعيينات مجلس الوزراء الموريتاني، المنعقد اليوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، مجرد إجراءات إدارية دورية، بل جاءت في لحظة تتقاطع فيها إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي مع تداعيات حريقي محطتي التحويل الكهربائي بنواكشوط، وما أثارتهما من أسئلة بشأن تسيير المشاريع العمومية والرقابة الفنية والمسؤولية الإدارية.
ويكتسب الاجتماع دلالته من توقيته؛ إذ يأتي بعد تسلّم السلطات تقرير لجنة التحقيق المستقلة، وتوجيهات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للحكومة بتنفيذ توصياته، بما يشمل اتخاذ إجراءات إدارية بحق من ثبت تقصيرهم، والشروع في الإجراءات القضائية اللازمة عند الاقتضاء. وقد أكدت الحكومة كذلك ضرورة إعداد خطة لإعادة تنظيم الشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» وتطوير قدراتها. .
في هذا السياق، تبدو التعيينات الجديدة جزءًا من مسار أوسع لإعادة ترتيب المسؤوليات داخل الإدارة العمومية، مع اختلاف طبيعة الرسائل التي يحملها كل تعيين، بحسب القطاع الذي يشمله والخلفية المهنية للمسؤول المعني.
صوملك في قلب التغيير: اختبار يتجاوز تغيير المدير
يبرز تعيين الوزير السابق اتيام التجاني مديرًا عامًا للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» باعتباره أحد أهم قرارات الاجتماع، بالنظر إلى حساسية المرحلة التي تمر بها المؤسسة، التي واجهت خلال أغسطس الماضي حريقين في محطتي تحويل بتوجنين وتفرغ زينة، تسببا في اضطرابات واسعة في توزيع الكهرباء بالعاصمة.
ولا تقتصر أهمية هذا التعيين على انتقال مسؤول حكومي سابق إلى قيادة مؤسسة عمومية استراتيجية، بل ترتبط أساسًا بحجم الملفات التي تنتظر الإدارة الجديدة، وفي مقدمتها استقرار الإمداد الكهربائي، وصيانة المنشآت، وتحسين الرقابة على المشاريع، ورفع كفاءة التدخل عند الأعطال، إلى جانب مراجعة الاختلالات التي كشفها التحقيق.
وقد أظهرت نتائج اللجنة المستقلة، وفق ما نشرته وسائل إعلام موريتانية بشأن ملخص التقرير، أن المسؤوليات لم تقتصر على مستوى واحد، بل امتدت إلى جوانب إدارية وفنية وتعاقدية، شملت الإشراف على المشاريع وإجراءات الصفقات ومتابعة الأشغال. وهذا يجعل الإصلاح المطلوب أوسع من مجرد تغيير الأشخاص، لأنه يستدعي مراجعة منظومة اتخاذ القرار والرقابة والمساءلة داخل القطاع.
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي أمام المدير العام الجديد لن يكون في اسمه أو صفته السابقة، وإنما في قدرته على تحويل نتائج التحقيق إلى إجراءات عملية، وتحسين موثوقية الخدمة، وإعادة بناء الثقة بين المؤسسة ومشتركيها.
وزارة الطاقة: خبرة مالية في قطاع استراتيجي
يمثل تعيين التار ولد سيدي المصطف أمينًا عامًا لوزارة الطاقة والنفط اختيارًا يستحق القراءة من زاوية الخلفية المهنية، وفق المعطيات المقدمة بشأن مساره في الإدارة المالية وملف ضرائب الغاز.
فقد تولى، منذ يناير 2024، إدارة الوحدة المختلطة لضرائب الغاز، المعنية بتأمين عائدات الدولة من مشروع آحميم للغاز المشترك بين موريتانيا والسنغال، كما سبق له العمل مستشارًا لوزير المالية.
وتمنح هذه التجربة، من حيث المبدأ، صلة مباشرة بين الإدارة المالية والملفات الاستراتيجية لقطاع الطاقة، الذي لا تتوقف أهميته على إنتاج الموارد واستغلالها، بل تشمل كذلك حماية الإيرادات العامة، وضبط الالتزامات التعاقدية، ومراقبة تنفيذ المشاريع.
وتكتسب هذه الجوانب أهمية إضافية في أعقاب التحقيق في حريقي الكهرباء، بالنظر إلى ما أثير بشأن متابعة الصفقات والإشراف على تنفيذها. غير أن ربط التعيين مباشرة بنتائج التحقيق يظل استنتاجًا يحتاج إلى قرائن إضافية؛ فالمؤكد أن الأمين العام يتولى دورًا محوريًا في التسيير الإداري، بينما ستتحدد دلالة اختياره عمليًا وفق ما سيقدمه من أداء ونتائج.
وزارة الصحة: عودة إلى المسؤولية بعد مسار قضائي
أما تعيين عبدي سالم ولد الشيخ سعدبوه أمينًا عامًا لوزارة الصحة، خلفًا للعالية بنت منكوس التي أحيلت إلى التقاعد، فيحمل دلالة مختلفة؛ إذ يعيد إلى الواجهة مسألة العلاقة بين المساءلة الإدارية والنتائج القضائية.
وبحسب المعلومات المقدمة، فقد ورد اسم ولد الشيخ سعدبوه في تقرير سابق لمحكمة الحسابات بشأن تسيير بعض الصفقات، وأعقب ذلك إنهاء مهامه، قبل أن يصدر حكم قضائي ببراءته.
وإذا كانت هذه المعطيات تعكس المسار الفعلي للقضية، فإن عودته إلى منصب إداري رفيع تطرح سؤالًا مؤسسيًا مهمًا حول ضرورة التمييز بين الملاحظات الرقابية، والإجراءات الإدارية التي قد تتخذ بناء عليها، والمسؤولية القانونية التي ينبغي أن تستند إلى ما تقرره الجهات القضائية المختصة.
فالرقابة على المال العام تظل ضرورية، كما أن احترام الأحكام القضائية وضمان عدم تحويل الاشتباه أو ورود الاسم في تقرير رقابي إلى إدانة دائمة يمثلان عنصرين أساسيين في دولة القانون.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التعيين باعتباره عودة إلى المسؤولية بعد مسار قضائي، من دون الجزم بأن القرار يمثل مكافأة سياسية أو رسالة موجهة إلى أطراف أخرى، ما لم تتوافر أدلة تؤيد مثل هذا التفسير.
شركة تسويق الأسماك: تغيير في مؤسسة خارج قطاع الأزمة
وعلى مستوى آخر، عُيّن يرب ولد المان، المدير العام المساعد السابق للشركة الوطنية للتنمية الريفية «صونادير»، مديرًا عامًا للشركة الموريتانية لتسويق الأسماك، خلفًا لسيدي ولد سالم.
ويختلف هذا التعيين عن تعيين مدير جديد لصوملك، لأنه يتعلق بمؤسسة تنشط في قطاع آخر، وإن كان يكتسب دلالته من الخلفية التي قدمتها المعلومات بشأن مغادرة المدير السابق منصبه بعد ورود اسمه في ملف حريقي الكهرباء، عندما كان يشغل مسؤولية قيادية في قطاع الطاقة.
ويقتضي التحليل هنا التمييز بين التغيير الإداري في مؤسسة تسويق الأسماك، وبين المساءلة المرتبطة بملف الكهرباء. فانتقال مسؤول من منصب إلى آخر أو تعيين خلف له لا يكفي، وحده، لتحديد طبيعة الإجراءات المتخذة في حق المسؤول السابق أو مدى ارتباطها المباشر بنتائج التحقيق.
لكن التغيير يعيد إلى النقاش العام مسألة انتقال المسؤولين بين المؤسسات العمومية، ومدى ارتباط ذلك بتقييم الأداء والمساءلة، وهي مسألة تتطلب متابعة القرارات الرسمية وأسبابها المعلنة، بدل الاكتفاء بالاستنتاجات المستمدة من تزامنها.
ما الذي تقوله التعيينات عن اتجاه الحكومة؟
عند جمع هذه القرارات في سياق واحد، تبرز ثلاثة أبعاد تستحق المتابعة.
أولها، إعادة توزيع المسؤوليات داخل الإدارة العمومية، من خلال تعيين مسؤولين جدد في قطاعات تتفاوت طبيعة مهامها، مع حضور واضح لقطاع الطاقة في خلفية المشهد.
وثانيها، تزايد أهمية المساءلة الإدارية في النقاش العام، خصوصًا بعد إعلان نتائج التحقيق في حريقي الكهرباء، وما رافقها من توجيهات رئاسية بشأن اتخاذ الإجراءات اللازمة وتنفيذ التوصيات. وقد أكدت الوزارة الأولى ضرورة الجمع بين التدابير الإدارية والإجراءات القضائية، كلٌّ وفق طبيعته واختصاصه.
أما البعد الثالث، فيتعلق بالفارق بين تغيير المسؤولين وإصلاح المؤسسات. فالتعيينات قد تمنح الإدارة فرصة لتجديد أساليب العمل، لكنها لا تضمن وحدها تجاوز الاختلالات، ما لم تقترن بوضوح الصلاحيات، وتحسين الرقابة الداخلية، وتطوير الخبرات الفنية، وربط المسؤولية بالنتائج.
وفي حالة صوملك على وجه الخصوص، لن يكون الحكم على المرحلة الجديدة مرتبطًا فقط باستقرار التيار الكهربائي في المدى القريب، بل أيضًا بمدى تحسين الصيانة والوقاية، وشفافية الصفقات، وقدرة المؤسسة على إدارة مشاريعها الاستثمارية بكفاءة.
الخلاصة: الاختبار في النتائج لا في الأسماء
تأتي تعيينات اليوم في مرحلة تتجه فيها الأنظار إلى كيفية تعامل الحكومة مع نتائج التحقيق في حريقي الكهرباء، وإلى ما إذا كانت الإجراءات المتخذة ستؤسس لمقاربة أكثر وضوحًا في تحديد المسؤوليات وتصحيح الاختلالات داخل المؤسسات العمومية.
وإذا كانت هذه التغييرات تعكس إعادة ترتيب في الإدارة، فإن قيمتها النهائية ستتحدد بما تحققه من تحسين ملموس في أداء المؤسسات، وما توفره من ضمانات لعدم تكرار الإخفاقات التي كشفت عنها الأزمة.
ففي قطاع الكهرباء، ينتظر المواطن خدمة أكثر استقرارًا، وتنتظر الإدارة رقابة أكثر فاعلية، بينما يظل الرأي العام معنيًا بمعرفة ما انتهت إليه التحقيقات وكيف نُفذت توصياتها.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم الذي تطرحه تعيينات اليوم ليس فقط: من غادر منصبه ومن خلفه؟ بل: هل ستقود هذه التغييرات إلى إصلاح مؤسسي قابل للقياس، يربط المسؤولية بالمحاسبة، ويجعل حماية المصلحة العامة معيارًا لتقييم الأداء؟
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل