من داخل حزب الإنصاف.. هل تتحول “المغاضبة” إلى خصم انتخابي؟

 

إعداد: محمد عبد الرحمن أحمد عالي

صحفي وباحث في العلوم السياسية – رئيس تحرير موقع الضمير الإخباري

 

قد لا تكون أخطر معركة يخوضها حزب الإنصاف الموريتاني قادمة من أحزاب المعارضة، بل من داخل بيته السياسي نفسه.

فالحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات التشريعية والبلدية والجهوية، ويمتلك أغلبية برلمانية واسعة، يواجه تحديا مختلفا: كيف يحافظ على شبكته المحلية في ظل خلافات تتجدد حول الترشحات والمواقع والنفوذ؟

منذ انتخاب محمد ولد بلال مسعود رئيسا للحزب في ديسمبر 2025، بدأت القيادة الجديدة مسارا لإعادة ترتيب البيت الداخلي، شمل مراجعة الهياكل، وتجديد الخطاب السياسي، وتطوير العمل الإعلامي، وتعزيز الحضور الميداني، والاستماع إلى المنتخبين والأطر والمناضلين في الولايات الداخلية.

لكن نجاح هذه العملية سيتوقف على قدرتها على معالجة ما هو أعمق من الهياكل: أزمة الثقة بين بعض القواعد والقيادة.

 

حزب قوي.. ومشكلة متكررة

يمثل حزب الإنصاف الامتداد السياسي لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي تأسس عام 2009، وأصبح لاحقا الإطار الحزبي الرئيسي الداعم للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

وفي انتخابات 2023، حصل الإنصاف على 107 مقاعد من أصل 176 في الجمعية الوطنية، إلى جانب حضوره الواسع في المجالس البلدية والجهوية.

وتؤكد هذه النتائج أن الحديث عن أزمة الحزب لا يعني أنه فقد قوته الانتخابية، بل يعني أن الحزب يواجه تحدي الحفاظ على هذه القوة وتنظيمها.

فكلما اتسعت شبكة الحزب، ازدادت المنافسة بين الفاعلين المحليين على الترشحات والمواقع، وهو ما يجعل “المغاضبة” أكثر من مجرد خلاف شخصي.

 

عندما يغادر الغاضب ومعه أصواته

في السياسة المحلية، قد يكون الشخص الذي لم يحصل على ترشيح مجرد مناضل، لكنه قد يكون أيضا عمدة أو منتخبا أو وجيها أو قائدا لشبكة سياسية واجتماعية واسعة.

وهنا تكمن الخطورة.

فإذا غادر هذا الفاعل الحزب، ثم وجد إطارا انتخابيا بديلا، فإنه لا يغادر وحده بالضرورة، بل قد يأخذ معه جزءا من أنصاره وتحالفاته، ويعود إلى مواجهة الحزب في الانتخابات.

وقد شهدت الساحة السياسية الموريتانية خلال السنوات الماضية حالات انتقل فيها فاعلون من معسكر الأغلبية إلى أحزاب أخرى أو قوائم مستقلة، ثم تحول بعضهم إلى منتخبين يمتلكون شرعية انتخابية خاصة بهم.

وبذلك يمكن أن تتحول “المغاضبة” من مشكلة تنظيمية إلى منافسة انتخابية حقيقية.

 

إشارات من الداخل

خلال الفترة الماضية، نقلت وسائل إعلام موريتانية انتقادات من منتخبين وأطر ومناضلين داخل الحزب، تمحورت حول ضعف التشاور، وتقادم بعض الهياكل، والتنافس الداخلي، وشكاوى من طريقة إدارة بعض الاستحقاقات التنظيمية والانتخابية.

ولا يمكن اعتبار هذه الانتقادات دليلا على أزمة شاملة داخل الحزب، لكنها تكشف عن سؤال جوهري: هل يشعر الفاعل المحلي بأن صوته مؤثر في صناعة القرار؟

ويبدو أن قيادة محمد ولد بلال أدركت أهمية هذا السؤال، إذ نظمت خلال 2026 جولات ميدانية شملت عددا من الولايات، والتقت المنتخبين والأطر والمناضلين والفاعلين السياسيين، كما عملت على تحديث الخريطة السياسية للولايات وتجديد الهياكل وإعداد خطاب سياسي جديد.

غير أن الجولات لا تصبح إصلاحا حقيقيا إلا عندما تتحول نتائجها إلى قرارات.

الترشيحات.. لحظة الاختبار

سيكون ملف الترشيحات الاختبار الأصعب للقيادة الجديدة.

فالقوة الانتخابية في موريتانيا لا تعتمد على الحزب وحده؛ إذ تلعب الشخصيات المحلية والتحالفات الاجتماعية والقدرة على الحشد دورا مؤثرا في تحديد النتائج.

 

ولهذا فإن خسارة شخصية سياسية مؤثرة قد تعني خسارة شبكة انتخابية كاملة.

وإذا نجح الحزب في وضع معايير واضحة لاختيار المرشحين، واحتواء من لم يحالفهم الاختيار، فقد تتحول المنافسة الداخلية إلى مصدر قوة.

أما إذا خرج الخاسرون إلى أحزاب أخرى أو قوائم مستقلة، فقد يواجه الحزب منافسين يعرفون بنيته الداخلية ويملكون القدرة على استثمار نقاط ضعفها.

 

قوة انتخابية أمام اختبار مؤسسي

 

رغم هذه التحديات، لا توجد مؤشرات جدية على انهيار حزب الإنصاف. فالحزب لا يزال القوة البرلمانية الأولى، كما فاز بعدد كبير من المجالس المحلية، فيما حصل الرئيس غزواني على أكثر من 56% من الأصوات في انتخابات 2024.

لذلك فإن المعركة المقبلة ليست معركة بقاء الحزب، بقدر ما هي معركة تطويره.

فالرهان الحقيقي هو الانتقال من حزب يمتلك شبكة انتخابية واسعة إلى مؤسسة سياسية قادرة على إدارة الاختلاف، واستيعاب طموحات قواعدها، والحفاظ على كوادرها حتى عندما لا يحصل الجميع على ما يريدون.

وهنا قد يكون السؤال الأكثر أهمية قبل الانتخابات المقبلة ليس: من ينافس الإنصاف؟

بل: كم من منافسيه المحتملين سيخرجون من داخله؟

الإجابة عن هذا السؤال ستكشف ما إذا كانت قيادة محمد ولد بلال قد نجحت في تحويل مرحلة إعادة الهيكلة إلى إعادة بناء حقيقية، أم أن “المغاضبة” ستظل واحدة من أكبر نقاط الضعف في الحزب.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *