اعداد الصحفي محمد عبدالرحمن احمدعالي
خاص بموقع الضمير الإخباري.
من آلاف التجمعات السكانية المتباعدة في الداخل إلى التوسع العشوائي في نواكشوط.. هل تحتاج موريتانيا إلى إعادة تنظيم خريطتها السكانية حتى تتمكن من إيصال الخدمات بكفاءة وتحقيق تنمية أكثر استدامة؟
لا تبدو ظاهرة التقري العشوائي في موريتانيا مجرد قضية عمرانية مرتبطة بطريقة بناء المنازل أو نشوء تجمعات سكانية خارج المخططات، بل أصبحت قضية تتصل بصورة مباشرة بالتخطيط التنموي، وبكلفة إيصال التعليم والصحة والمياه والكهرباء والطرق والخدمات الإدارية إلى المواطنين.
وفي بلد تبلغ مساحته نحو 1.03 مليون كيلومتر مربع، بينما لا يتجاوز عدد سكانه 4,927,532 نسمة وفق التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2023، تصبح مسألة توزيع السكان على المجال الجغرافي واحدة من أكثر التحديات تعقيداً أمام الدولة.
فموريتانيا لا تواجه مشكلة واحدة في توزيع السكان، وإنما تواجه مشكلتين متناقضتين في الوقت نفسه: تشتت السكان في أجزاء واسعة من الداخل، وتركيزهم المتزايد في المدن الكبرى، وخاصة نواكشوط.
أكثر من نصف السكان يعيشون في الوسط الحضري
أظهرت نتائج التعداد العام للسكان والمساكن 2023 أن عدد سكان الوسط الحضري بلغ 2,641,553 نسمة، أي أكثر من 53% من مجموع سكان البلاد، مقابل نحو 2.27 مليون نسمة في الوسط الريفي، إضافة إلى نحو 19.5 ألف نسمة مصنفين ضمن الوسط البدوي وفق منهجية التعداد.
وفي المقابل، تستحوذ ولايات نواكشوط الثلاث وحدها على أكثر من 1.44 مليون نسمة، أي ما يقارب ثلث سكان البلاد.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول ديموغرافي سريع: سكان موريتانيا يتجهون بصورة متزايدة نحو المدن، لكن هذا التحضر لا يعني أن مشكلة التشتت السكاني في الداخل قد انتهت.
بل إن جزءاً كبيراً من السكان ما يزال موزعاً على عدد واسع من التجمعات السكنية الصغيرة والمتباعدة، الأمر الذي يطرح تحدياً حقيقياً أمام تخطيط الخدمات والبنية التحتية.
آلاف التجمعات السكانية في الولايات الداخلية
تقدم بيانات التعداد صورة واضحة عن حجم هذه المسألة.
فولاية الحوض الغربي تضم، وفق بيانات التعداد العام للسكان والمساكن 2023، 1,335 تجمعاً سكانياً موزعة على 29 بلدية، بينما يبلغ عدد سكان الولاية نحو 403 آلاف نسمة.
وهذا يعني أن عدد التجمعات كبير جداً مقارنة بحجم السكان، وإن كان المتوسط الحسابي البسيط لا يعني أن جميع التجمعات متساوية في عدد السكان أو أن لكل تجمع منشأة عمومية مستقلة.
وفي لبراكنة، يبلغ عدد السكان وفق بيانات التعداد نحو 391,310 نسمة، فيما يصل عدد المحليات إلى 710 محليات، بحسب دراسة جهوية حديثة للوكالة الوطنية للإحصاء.
أما اترارزة، فتضم 542 محلية موزعة على 27 بلدية، فيما بلغ عدد سكانها وفق تعداد 2023 نحو 323,903 نسمة.
وتكشف هذه الأرقام أن التحدي لا يتمثل فقط في عدد السكان، وإنما أيضاً في عدد نقاط الاستقرار التي ينبغي أن تصل إليها الخدمات العامة.
فالدولة عندما تخطط لقطاع التعليم أو الصحة أو المياه لا تتعامل مع رقم السكان وحده، وإنما تحتاج إلى معرفة أين يعيش هؤلاء السكان، وكم تبعد تجمعاتهم عن بعضها، وما حجم كل تجمع، وما مدى قربه من أقرب مركز حضري أو خدمة عمومية.
وهنا بالضبط يتحول التشتت السكاني من قضية جغرافية إلى قضية تنموية ومالية وإدارية.
المشكلة ليست في القرية.. وإنما في نمط الاستقرار
من المهم التمييز بين القرية باعتبارها وحدة سكانية طبيعية وبين «التقري الفوضوي».
فوجود قرى وتجمعات ريفية ليس مشكلة في حد ذاته، بل إن القرى يمكن أن تكون مراكز للإنتاج الزراعي والرعوي والتجارة المحلية، وأن تلعب دوراً مهماً في تثبيت السكان والحد من الهجرة إلى المدن.
المشكلة تبدأ عندما تنشأ تجمعات سكانية صغيرة ومتباعدة من دون تخطيط مسبق، أو عندما يتوسع العمران بعيداً عن المراكز المخططة، بحيث تجد الدولة نفسها لاحقاً أمام تجمعات قائمة يتعين عليها إيصال الخدمات إليها مهما كانت المسافة أو الكلفة.
وهذه ليست مجرد قراءة صحفية؛ فالحكومة الموريتانية نفسها وضعت تجميع البلدات والحد من التقري الفوضوي ضمن السياسات التي تناقشها على مستوى اللجنة الوزارية المختصة.
وفي اجتماع للجنة الوزارية المكلفة بتجميع البلدات، جرى بحث وضعية التجمعات المنفذة والمشاكل التي تواجهها، وسبل تمكين السكان من النفاذ إلى خدمات الصحة والتعليم والماء الشروب، مع التأكيد على سياسة وطنية لتجميع البلدات على أساس التشاور مع المواطنين بهدف تحقيق تنمية مستدامة.
كما أن الحكومة أقرت منذ سنوات إطاراً تنظيمياً يهدف إلى ترشيد الموارد وتسهيل ولوج غالبية السكان إلى الخدمات الأساسية وتشجيع إعادة تجميع البلدات.
التعليم.. الخريطة المدرسية تواجه الخريطة السكانية
ربما يمثل التعليم أحد أوضح المجالات التي تظهر فيها آثار التشتت السكاني.
فالمدرسة لا تعني بناء جدران وفصول فقط.
إنها تحتاج إلى معلمين، وإدارة، وتجهيزات، وكتب، ومياه، وكهرباء، وصيانة، ووسائل تعليمية، وربما نقل مدرسي في المناطق التي لا توجد فيها مؤسسة قريبة.
وعندما يتوزع السكان على عدد كبير من التجمعات الصغيرة، يصبح التخطيط أكثر صعوبة.
هل تبنى مدرسة في كل تجمع؟
وإذا كان عدد الأطفال محدوداً، فهل تكون المدرسة قادرة على توفير طاقم تعليمي كامل؟
وإذا تم تجميع التلاميذ في مدرسة أكبر، كيف يصل الأطفال من القرى البعيدة إليها؟
هذه الأسئلة هي جوهر العلاقة بين التقري والتخطيط المدرسي.
ولذلك أعلنت وزارة التهذيب الوطني وإصلاح النظام التعليمي صراحة عن توجهها نحو التصدي لـ«فوضوية الإنشاءات المتجددة الناتجة عن التقري العشوائي»، واعتماد خريطة مدرسية معقلنة تراعي خصوصية موريتانيا.
وهذا يؤكد أن الخريطة المدرسية لا يمكن فصلها عن الخريطة السكانية.
عندما تصبح المنشأة العمومية أكثر كلفة
لا توجد قاعدة بسيطة تقول إن كل قرية صغيرة تكلف الدولة مدرسة أو مستشفى مستقلاً، ولذلك سيكون من غير الدقيق القول إن الدولة «تبني مستشفى لكل خمسة أشخاص».
لكن المشكلة الحقيقية أكثر تعقيداً.
فعندما تتوزع أعداد محدودة من السكان على نقاط سكنية متباعدة، تضطر الدولة إلى توزيع جزء من بنيتها التحتية ومواردها البشرية ووسائلها اللوجستية على مساحة أكبر.
وتظهر الكلفة في أشياء كثيرة: الطريق الذي يربط التجمع بمركز المقاطعة، شبكة المياه، تمديدات الكهرباء، نقل المعدات، صيانة المنشآت، تنقل الفرق الصحية، توزيع الأدوية، إيصال الكتب المدرسية، وتوفير الموظفين.
وبذلك لا تكون الكلفة في بناء المنشأة وحدها، وإنما في تشغيلها وربطها واستدامة الخدمة التي تقدمها.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج التشتت السكاني: قد تتوزع الاستثمارات على نقاط عديدة بحيث تصبح الدولة مطالبة بإنفاق موارد أكبر لتحقيق مستوى الخدمة نفسه الذي يمكن توفيره بكلفة أقل في تجمعات أكثر تنظيماً وكثافة.
الصحة.. المسافة قد تكون جزءاً من المشكلة
في القطاع الصحي تصبح المسألة أكثر حساسية.
فالمركز الصحي يحتاج إلى طبيب أو ممرضين وعمال صحيين، وأدوية وتجهيزات، ومياه وكهرباء، وسلسلة إمداد منتظمة.
ولا تكمن المشكلة فقط في بناء مركز صحي، وإنما في القدرة على تشغيله بصورة دائمة وفعالة.
وفي المناطق ذات التجمعات الصغيرة والمتباعدة، قد يجد المواطن نفسه مضطراً إلى قطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى منشأة صحية قادرة على تقديم خدمة متخصصة.
وهنا تصبح المسافة جزءاً من تكلفة الخدمة الصحية، سواء بالنسبة للدولة التي توفر البنية التحتية أو للمواطن الذي يتحمل تكلفة التنقل والوقت.
ولهذا فإن بناء أقطاب سكانية قوية، مدعومة بمراكز صحية مؤهلة وخدمات صحية متنقلة للتجمعات المحيطة، يمكن أن يكون أكثر فعالية من توزيع منشآت صغيرة محدودة الإمكانات على عدد كبير من النقاط.
المياه والكهرباء.. مثالان على تكلفة التشتت
في قطاع المياه، لا تنتهي عملية إيصال الخدمة عند حفر بئر أو إنشاء شبكة.
هناك مضخات، وطاقة، وأنابيب، وصيانة، وفرق فنية، ونقل للمعدات وقطع الغيار.
وكلما زادت المسافات بين التجمعات، أصبحت حلول الإمداد أكثر تعقيداً.
وفي الكهرباء، تظهر الصورة بصورة أوضح.
فالحكومة تعمل على برامج تستهدف إيصال الكهرباء إلى عشرات التجمعات السكنية في الداخل عبر حلول مختلفة، من بينها الشبكات الصغيرة والطاقة الشمسية وربط بعض التجمعات بالشبكات القائمة.
وهذا يعكس حقيقة مهمة: في بلد واسع المساحة وقليل الكثافة، لا يمكن دائماً الاعتماد على نموذج واحد لإيصال الخدمات إلى جميع السكان.
لذلك يصبح تنظيم التجمعات وتحديد الأقطاب ذات الأولوية جزءاً من السياسة الاقتصادية وليس مجرد قرار عمراني.
لماذا تتجه الدولة إلى تجميع القرى؟
إذا كان الهدف هو إيصال الخدمات بصورة أفضل، فإن تجميع السكان في مراكز منظمة يمكن أن يوفر للدولة مزايا متعددة.
أولها تركيز الاستثمار.
فبدلاً من توزيع الموارد على عدد كبير من النقاط، يمكن إنشاء مركز تنموي تتوفر فيه مدرسة ومركز صحي ومياه وكهرباء وطرق وأسواق.
وثانيها تحسين جودة الخدمة.
فالمنشأة التي تخدم عدداً أكبر من السكان تكون أكثر قدرة على استقطاب الموارد البشرية والتجهيزات مقارنة بمنشأة صغيرة تخدم عدداً محدوداً من المستفيدين.
وثالثها خلق نشاط اقتصادي.
فالسوق الأكبر قادرة على جذب التجار والخدمات والمشروعات الصغيرة، وهو ما يساعد على خلق فرص عمل ويقلل الحاجة إلى الهجرة نحو المدن الكبرى.
ورابعها تسهيل الإدارة المحلية.
فوجود تجمعات منظمة يسهل عملية التخطيط وتوفير الخدمات ومتابعتها، مقارنة بالتجمعات المتناثرة التي يصعب ربطها بشبكة موحدة من الخدمات.
لكن التجميع ليس مجرد نقل السكان
هنا ينبغي الحذر.
فنجاح سياسة تجميع القرى لا يتحقق بمجرد نقل السكان من مكان إلى آخر أو منحهم قطعاً أرضية.
إذا نُقل السكان إلى تجمع جديد من دون مياه وكهرباء ومدرسة ومركز صحي وطريق وفرص اقتصادية، فقد يتحول التجميع نفسه إلى مشكلة جديدة.
ولهذا فإن السياسة الناجحة يجب أن تقوم على التجميع التنموي لا التجميع العمراني فقط.
أي أن المركز الجديد ينبغي أن يكون قادراً على توفير شروط الحياة والعمل والاستقرار.
وقد اتجهت الحكومة بالفعل إلى إنشاء تجمعات وأقطاب سكانية جديدة، وربطت هذه السياسة بتوفير البنية التحتية والخدمات الأساسية وتحقيق التنمية المحلية.
وفي قرارات حكومية سابقة، تمت المصادقة على مخططات تقطيع تجمعات في ولاية لعصابة، في إطار سياسة وطنية لتجميع القرى تهدف إلى الحد من التوزيع العشوائي للسكان وتسهيل ولوجهم إلى الخدمات العمومية الأساسية، مع السعي إلى تثبيت السكان في مدن حديثة تتوفر فيها ظروف عيش كريمة.
المشكلة الأخرى: نواكشوط تجذب ما يخرج من الداخل
في الوقت الذي تواجه فيه الولايات الداخلية مشكلة التشتت السكاني، تواجه نواكشوط مشكلة معاكسة تماماً.
فالعاصمة تستقطب السكان الباحثين عن التعليم والعمل والصحة والخدمات والإدارة.
وقد بلغ مجموع سكان ولايات نواكشوط الثلاث أكثر من 1.44 مليون نسمة في تعداد 2023، بينما بلغ مجموع سكان البلاد نحو 4.93 مليون نسمة.
وهذا يعني أن نحو ثلث سكان موريتانيا يتركزون في العاصمة.
وهنا تظهر مفارقة تنموية:
في الداخل، الدولة مطالبة بإيصال الخدمات إلى سكان متفرقين على مساحة واسعة؛ وفي العاصمة، الدولة مطالبة باستيعاب سكان يتزايد تركيزهم في مساحة حضرية محدودة.
والنتيجة هي ضغط مزدوج على الموازنة والبنية التحتية.
التقري العشوائي والهجرة الداخلية.. علاقة متبادلة
لا يمكن النظر إلى التقري العشوائي بمعزل عن الهجرة الداخلية.
فالسكان ينتقلون عندما يجدون أن المكان الجديد يوفر لهم فرصاً أفضل في التعليم والعمل والصحة والمياه والكهرباء.
وعندما تكون القرى والمراكز الريفية ضعيفة الخدمات والاقتصاد، تصبح المدن أكثر جاذبية.
لكن الهجرة المستمرة نحو المدن، إذا لم ترافقها سياسة عمرانية واقتصادية متوازنة، يمكن أن تؤدي إلى توسع الأحياء العشوائية وضغط إضافي على الطرق والمياه والكهرباء والصرف الصحي والخدمات.
وبذلك يصبح التقري العشوائي في الداخل والهشاشة العمرانية في المدن وجهين لمشكلة واحدة: غياب التوازن في توزيع السكان وفرص التنمية.
ما الحل؟
لا يبدو الحل في منع السكان من إنشاء تجمعات جديدة بالقوة، كما لا يمكن ترك المجال العمراني يتوسع دون تخطيط.
الحل الأكثر واقعية هو بناء سياسة متكاملة تقوم على خمسة مسارات.
أولاً: تحديد الأقطاب التنموية.
ينبغي تحديد المدن والمراكز والتجمعات التي يمكن أن تصبح أقطاباً للخدمات والاقتصاد في كل منطقة.
ثانياً: ربط التجميع بالتنمية الاقتصادية.
لا يكفي أن يحصل السكان على منازل أو قطع أرض. يجب توفير نشاط اقتصادي يضمن دخلاً وفرص عمل.
ثالثاً: بناء خريطة وطنية موحدة للخدمات.
ينبغي أن تكون هناك علاقة واضحة بين توزيع السكان وتوزيع المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والكهرباء والطرق.
رابعاً: تطوير النقل المدرسي والصحي.
التجمعات الصغيرة لا تحتاج بالضرورة إلى كل الخدمات، إذا كانت مرتبطة بمراكز قريبة عبر طرق جيدة ووسائل نقل منتظمة.
خامساً: وقف نشوء التجمعات غير المخططة مستقبلاً.
المعالجة لا ينبغي أن تركز فقط على التجمعات الموجودة، وإنما يجب أن تمنع نشوء المشكلة من جديد من خلال إطار عمراني واضح ومخططات استصلاح ترابي تأخذ في الاعتبار النمو السكاني المتوقع.
موريتانيا تحتاج إلى إعادة التفكير في خريطتها السكانية
تظهر نتائج التعداد العام للسكان والمساكن 2023 أن موريتانيا دخلت مرحلة جديدة من التحول الديموغرافي.
عدد السكان بلغ نحو 4.93 مليون نسمة، وأكثر من نصفهم يعيشون في الوسط الحضري، بينما تتركز نسبة كبيرة منهم في نواكشوط، في وقت ما تزال فيه أجزاء واسعة من البلاد تضم عدداً كبيراً من التجمعات السكانية المتباعدة.
وفي الوقت نفسه، توفر الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي والاقتصادي قاعدة رسمية مفصلة للتجمعات السكنية في موريتانيا ضمن مخرجات التعداد الخامس، بما يتيح لأول مرة قراءة توزيع السكان على مستوى المحليات والتجمعات بصورة أكثر دقة.
وهذا يفتح الباب أمام سياسة أكثر دقة: لا يكفي أن نعرف كم عدد سكان الولاية؛ يجب أن نعرف أين يعيشون، وكم عدد التجمعات التي يعيشون فيها، وما المسافات التي تفصلهم عن الخدمات الأساسية.
من «تقريب الخدمة» إلى «ترشيد التنمية»
المطلوب في النهاية ليس حرمان السكان من حقهم في الاستقرار حيث يريدون، ولا تحويل سياسة التجميع إلى وسيلة لإفراغ الريف.
المطلوب هو تحقيق توازن بين حق المواطن في الخدمة وقدرة الدولة على تقديم هذه الخدمة بجودة واستدامة.
فإذا كان إنشاء تجمع صغير أمراً واقعاً، ينبغي ربطه بمركز خدمات قريب.
وإذا كان تجمع ما مرشحاً للنمو، ينبغي التخطيط له قبل أن يتحول إلى منطقة عشوائية.
وإذا كانت مجموعة من القرى متقاربة، فمن المنطقي دراسة إمكانية إنشاء قطب تنموي مشترك يخدم سكانها جميعاً.
وبذلك يمكن الانتقال من منطق:
«كيف نصل بمنشأة مستقلة إلى كل تجمع؟»
إلى منطق:
«كيف نبني شبكة من المراكز التنموية التي تصل خدماتها إلى أكبر عدد من السكان بأفضل جودة وأقل تكلفة؟»
وهذه ليست مجرد فكرة نظرية؛ فالحكومة الموريتانية نفسها تحدثت عن تجميع البلدات بوصفه وسيلة لترشيد الموارد وتسهيل وصول غالبية السكان إلى الخدمات الأساسية، كما ربطت في اجتماعاتها بين الحد من التقري الفوضوي وتحسين التنمية المحلية.
الخلاصة: معركة موريتانيا المقبلة ليست فقط مع الفقر.. بل مع جغرافيا التنمية
تملك موريتانيا موارد بشرية وطبيعية وفرصاً اقتصادية كبيرة، لكن الاستفادة منها تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة للمجال الترابي.
فالتنمية لا تعتمد فقط على حجم الأموال التي تنفقها الدولة، وإنما أيضاً على كيفية توزيع هذه الأموال مكانياً.
قد يكون الاستثمار نفسه أكثر مردودية إذا خدم عشرة آلاف مواطن في مركز منظم، مقارنة باستثمارات متفرقة تخدم مجموعات صغيرة متباعدة، مع ضرورة مراعاة خصوصية المناطق التي تفرض طبيعتها الجغرافية أو الاقتصادية نمطاً معيناً من الاستقرار.
ولهذا فإن مواجهة التقري العشوائي يجب ألا تُفهم باعتبارها مواجهة مع القرى أو سكان الريف، وإنما باعتبارها مشروعاً لإعادة تنظيم المجال الوطني بما يخدم المواطن والدولة معاً.
موريتانيا اليوم أمام خيارين:
إما أن تستمر في التعامل مع التوزيع السكاني كما هو، ثم تجد نفسها بعد سنوات أمام شبكة أكثر اتساعاً من التجمعات الصغيرة والأحياء العشوائية، وما يرافق ذلك من ارتفاع مستمر في كلفة الخدمات.
وإما أن تستفيد من بيانات التعداد الجديد، وتعيد رسم خريطة التنمية على أساس الأقطاب السكانية، والمدن المتوسطة، والتجمعات الريفية المنظمة، والنقل والخدمات المتنقلة، وربط الاستقرار السكاني بالنشاط الاقتصادي.
فالهدف ليس أن يكون لكل قرية مستشفى ومدرسة وطريق مستقل، كما أن الهدف ليس إفراغ الريف لصالح المدن.
الهدف هو أن يعيش الموريتاني حيث يستطيع أن يجد حياة كريمة، وأن تستطيع الدولة في الوقت نفسه أن توفر له خدمة عمومية جيدة ومستدامة، دون أن تتحول المسافات وتشتت السكان إلى استنزاف دائم لموارد التنمية.
وفي بلد تبلغ مساحته أكثر من مليون كيلومتر مربع ويقترب عدد سكانه من خمسة ملايين نسمة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم التخطيط الوطني خلال العقود المقبلة ليس فقط:
أين يعيش الموريتانيون؟
بل:
أين ينبغي أن تتركز التنمية حتى تصل الدولة إلى المواطن بأفضل خدمة، وأقل تكلفة، وأكثر استدامة؟
مصادر التقرير :
الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي والاقتصادي (ANSADE): نتائج التعداد العام للسكان والمساكن 2023، ومنشورات توزيع السكان والتجمعات السكنية.
وزارة التهذيب الوطني وإصلاح النظام التعليمي: معطيات الخريطة المدرسية والتصدي لفوضوية الإنشاءات الناتجة عن التقري العشوائي.
الوزارة الأولى: سياسة تجميع البلدات والحد من التقري الفوضوي وترشيد الموارد وتقريب الخدمات.
بيانات ودراسات الولايات الصادرة عن ANSADE: الحوض الغربي، لبراكنة، اترارزة وغيرها.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل