أحيانًا لا تحتاج إلى خطابات طويلة لتعرف أن إدارة منشأة صحية بدأت تتحرك في الاتجاه الصحيح؛ يكفي أن ترى جهازًا كان متعطلًا فعاد إلى العمل، ومرفقًا كان يواجه صعوبات بدأ يستعيد عافيته، ومرضى كانوا يتحملون عناء البحث عن خدمات التشخيص خارج مدينتهم وهم اليوم يجدونها داخل مستشفاهم.
هذه هي الزاوية التي تستحق التوقف عندها في تجربة الجراح سيداتي أعمر جودة، المدير العام لمركز الاستطباب بكيفة، عاصمة ولاية لعصابة.
حين تولى الرجل مسؤولية إدارة المركز، لم تكن أمامه مؤسسة في أفضل حالاتها، بل واقع إداري وصحي يحتاج إلى الكثير من العمل وإعادة التنظيم والإصلاح. ومنذ وصوله، بدأ في وضع خطة للعمل وتحريك عدد من الملفات، قبل أن تبدأ نتائج ذلك الجهد في الظهور تدريجيًا، وفق ما يتحدث عنه مرتادو المستشفى وعمال القطاع.
ومن بين النتائج التي تستحق الإشارة اليوم عودة جهاز السكانير إلى العمل بعد فترة من التعطل.
قد يبدو الأمر بالنسبة للبعض مجرد إصلاح جهاز، لكنه في الواقع أكبر من ذلك بكثير.
فجهاز السكانير ليس قطعة من التجهيزات يمكن تعويض غيابها بسهولة، وإنما خدمة تشخيصية أساسية يحتاج إليها الأطباء في حالات مرضية كثيرة، ويعني تعطلها بالنسبة للمواطن في مدينة كيفة ومحيطها البحث عن بدائل قد تكون مكلفة وشاقة، أو التنقل إلى مناطق أخرى بحثًا عن الفحص.
لذلك فإن إعادة الجهاز إلى الخدمة تعني قبل كل شيء إعادة خدمة يحتاج إليها المريض، وتقليص معاناة الأسر، وتعزيز قدرة المستشفى على القيام بدوره كمرفق صحي مرجعي في عاصمة الولاية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الإنجاز: ليس في الجهاز وحده، وإنما في فلسفة الإدارة التي تقف وراءه؛ إدارة تبدأ من المشاكل الموجودة على الأرض وتحاول معالجتها واحدًا بعد آخر.
واللافت في مسيرة سيداتي أعمر جودة أن تجربته في الإدارة الصحية ليست وليدة اليوم.
فالرجل، إلى جانب تكوينه وخبرته الطبية كجراح، راكم تجربة طويلة في تسيير المؤسسات والمنشآت الصحية، متنقلًا بين مسؤوليات في تكانت والحوض الشرقي، قبل أن يحط الرحال في مركز الاستطباب بكيفة.
وهذا الجمع بين الطبيب والمدير يمنحه زاوية مختلفة في إدارة المرفق الصحي؛ فهو يعرف المؤسسة من الداخل، ويفهم احتياجات الطبيب والعامل والمريض في الوقت نفسه، ويدرك أن نجاح المستشفى لا يقاس فقط بعدد القرارات الإدارية، وإنما بمدى انعكاسها على الخدمة التي يتلقاها المواطن.
ومن تكانت إلى الحوض الشرقي، ثم إلى كيفة، يبدو أن الرجل يحمل معه تجربة تتراكم من محطة إلى أخرى: يدخل إلى المؤسسة، يتعرف على مشاكلها، يضع أولويات للعمل، ثم تبدأ النتائج في الظهور.
ولعل ما يعطي هذه التجربة بعدًا إنسانيًا أن سيداتي أعمر جودة، بحسب من عرفوه وتعاملوا معه في محطات عمله السابقة، لا يغادر المؤسسات التي تولى إدارتها دون أن يترك وراءه علاقات إنسانية مع العاملين والساكنة المحلية.
وفي الإدارة الصحية تحديدًا، قد تكون هذه النقطة أهم من كثير من العبارات المنمقة؛ لأن المدير يستطيع أن ينجح في الملفات الإدارية، لكن نجاحه الحقيقي يظهر عندما يشعر العامل أن الإدارة تعمل معه، والمريض أن المؤسسة موجودة لخدمته.
اليوم، ومع عودة السكانير إلى الخدمة في مركز الاستطباب بكيفة، يصبح من حق سكان لعصابة أن يتطلعوا إلى ما هو أبعد من إصلاح جهاز واحد.
فالإصلاح الحقيقي لا يتوقف عند السكانير، بل يفترض أن يكون هذا النجاح خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تأهيل الخدمات، وتحسين ظروف العمل، وتطوير الأداء، واستعادة ثقة المواطن في مؤسسته الصحية.
ولذلك فإن عبارة «والقادم أفضل» هنا ليست شعارًا دعائيًا بقدر ما هي اختبار حقيقي للإدارة الجديدة: هل ستتواصل وتيرة الإصلاح؟ وهل ستصل ثمارها إلى خدمات أخرى يحتاج إليها المواطن؟
المؤشرات الأولى، ومنها إعادة تشغيل السكانير، تمنح سببًا معقولًا للتفاؤل، لكن الحكم النهائي سيبقى دائمًا للنتائج.
سيداتي أعمر جودة ليس بحاجة إلى أن نقول إنه مدير ناجح لمجرد أنه مدير؛ فالنجاح في الإدارة الصحية لا يُمنح بالألقاب، وإنما تصنعه الملفات التي تُحل، والأجهزة التي تعود إلى العمل، والخدمات التي تتحسن، ورضا المريض، وثقة العامل.
وبين مهنة الجراحة التي اختارها، وتجربة الإدارة الصحية التي راكمها، تبدو أمام الرجل فرصة لتحويل مركز الاستطباب بكيفة إلى ورشة إصلاح مستمرة، يكون المواطن هو المستفيد الأول منها.
وفي قطاع مثل الصحة، لا يوجد إنجاز صغير عندما يتعلق الأمر بتخفيف معاناة مريض.
عودة السكانير إلى الخدمة في كيفة رسالة بسيطة في ظاهرها، لكنها مهمة في معناها:
عندما تتحول الإدارة من إدارة المشاكل إلى حلها، يبدأ الأمل في العودة.
والقادم، كما يقول أهل كيفة، أفضل بإذن الله.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل