غزواني أمام الصحافة.. مصارحة سياسية تفتح باب الأسئلة وتضع الحكومة أمام اختبار الإنجاز

 

إعداد : محمد عبد الرحمن أحمد عالي
مدير وناشر موقع الضمير الإخباري

في أول مؤتمر صحفي مباشر بهذا الحجم منذ توليه السلطة، جلس الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مساء الجمعة 24 يوليو 2026 أمام ممثلي وسائل الإعلام الوطنية والدولية، في مشهد حمل أكثر من دلالة سياسية وإعلامية، وفتح نقاشًا واسعًا حول حصيلة السنوات الماضية، وتحديات المرحلة المقبلة، ومستقبل المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

 

المؤتمر، الذي جاء بعد إعلان رئاسة الجمهورية أنه يندرج في إطار تعزيز الشفافية والتواصل المباشر مع الرأي العام، لم يكن مجرد مناسبة للإجابة على أسئلة الصحفيين، بل بدا أقرب إلى محاولة لتقديم قراءة رسمية شاملة لمسار الحكم خلال السنوات الماضية، والدفاع عن حصيلة التجربة، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن ما تحقق لا يزال دون مستوى الطموح، وأن المرحلة المقبلة تتطلب تسريع وتيرة العمل.

 

أول اختبار.. رئيس في مواجهة الأسئلة

 

اللافت في المؤتمر لم يكن فقط حجم الملفات التي تناولها، وإنما طبيعة العلاقة التي حاول الرئيس إرساءها مع الصحافة والرأي العام.

فقد أتيح للصحفيين طرح أسئلة مباشرة حول قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية شديدة الحساسية، من الحوار الوطني إلى الفساد، مرورًا بالتنمية والخدمات، وصولًا إلى مستقبل المسار السياسي والانتخابات.

ومن زاوية إعلامية، فإن أهمية هذه الخطوة تتجاوز مضمون الإجابات نفسها؛ إذ إن ظهور رئيس الجمهورية بشكل مباشر أمام الصحافة يخلق مساحة للمساءلة والنقاش، ويمنح الرأي العام فرصة لسماع الموقف الرسمي من القضايا التي تشغله، بدل الاكتفاء بالبيانات الرسمية أو التصريحات المنقولة.

وهنا يمكن القول إن المؤتمر نجح، على الأقل من الناحية الاتصالية، في كسر نمط التواصل السياسي غير المباشر، وفتح نافذة أوسع بين مؤسسة الرئاسة ووسائل الإعلام.

 

حصيلة السنوات.. دفاع عن المنجز واعتراف بالتحديات

 

في حديثه عن السنوات الماضية، قدم الرئيس قراءة تقوم على أن البلاد حققت تقدمًا في مجالات متعددة، رغم الظروف الدولية والإقليمية الصعبة التي ألقت بظلالها على الاقتصاد والتنمية.

وأشار في هذا السياق إلى تأثير جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، وأزمة الشرق الأوسط، معتبرًا أن هذه الأزمات فرضت تحديات إضافية على تنفيذ البرامج التنموية.

 

لكن اللافت في الخطاب كان الإقرار بأن ما تحقق لا يكفي، وأن الحكومة مطالبة بمضاعفة الجهود وتسريع وتيرة العمل، وهي رسالة تحمل في مضمونها اعترافًا بأن المواطن لا يقيس الأداء الحكومي بحجم البرامج المعلنة فقط، وإنما بما يلمسه فعليًا في حياته اليومية من تحسن في الخدمات والظروف المعيشية.

 

وهذه النقطة تحديدًا تبدو من أهم ما يمكن استخلاصه من المؤتمر؛ فالرئيس، وهو يدافع عن حصيلة المرحلة، لم يقدم صورة مثالية عن الواقع، بل أقر بوجود تحديات وبأن الطريق لا يزال طويلًا، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا عمليًا لقدرة الجهاز التنفيذي على تحويل الخطط والتعهدات إلى نتائج ملموسة.

 

الفساد.. من الخطاب إلى الأرقام

 

كان ملف مكافحة الفساد من أكثر الملفات حضورًا في المؤتمر، وهو ملف يحظى بحساسية خاصة لدى الرأي العام الموريتاني.

 

الرئيس رفض الجزم بأن الفساد ازداد خلال السنوات الأخيرة، وقدم في المقابل مجموعة من المؤشرات التي يرى أنها تعكس تراجع الظاهرة، مستشهدًا بانخفاض نسبة صفقات التراضي من أكثر من 27% سنة 2019 إلى 4.6% بنهاية 2025، وانخفاض حصتها من القيمة المالية للصفقات من 34% إلى 13.5%.

 

كما أشار إلى إحالة أكثر من عشر قضايا مرتبطة بشبهات فساد إلى القضاء خلال العام الماضي، شملت نحو مائة شخص، أودع عشرون منهم السجن على ذمة التحقيق، مؤكدًا أن مكافحة الفساد مسؤولية جماعية لا تقتصر على الرئيس أو الحكومة.

 

لكن القراءة المهنية لهذا الجزء من المؤتمر تقتضي التمييز بين عرض المؤشرات وبين الحكم النهائي على واقع الفساد. فالأرقام التي قدمها الرئيس تعكس وجهة النظر الرسمية، بينما يظل تقييم مدى تراجع الفساد مرتبطًا كذلك بمدى فاعلية المؤسسات الرقابية والقضائية، وشفافية الصفقات، ونتائج الملفات المحالة إلى القضاء، وما إذا كانت الإجراءات ستؤدي في النهاية إلى استرداد الأموال ومعاقبة من تثبت مسؤوليتهم.

 

وبعبارة أخرى، فإن المعركة ضد الفساد لا تحسمها الأرقام وحدها، وإنما يحسمها استمرار الرقابة، واستقلال القضاء، وشفافية التسيير، ووضوح النتائج أمام الرأي العام.

 

الحوار الوطني.. من مرحلة التحضير إلى اختبار النتائج

 

احتل الحوار الوطني موقعًا مهمًا في المشهد السياسي المحيط بالمؤتمر، خصوصًا أن الرئيس كان قد تسلم في اليوم نفسه وثيقة الحوار من المنسق المكلف به، في خطوة اعتُبرت إيذانًا بانتقال المسار إلى مرحلة جديدة.

 

وأكد الرئيس، وفق ما نقلته التغطيات، أن الحوار ينبغي أن ينتهي قبل نهاية العام، وهو ما يضع سقفًا زمنيًا واضحًا أمام القوى السياسية المشاركة، ويعطي للمسار أهمية خاصة خلال الأشهر المقبلة.

 

ومن منظور سياسي، فإن أهمية الحوار لا تكمن فقط في انعقاده، وإنما في قدرته على إنتاج توافقات قابلة للتنفيذ. فنجاح أي حوار سياسي يقاس في النهاية بما يتركه من أثر على الحياة العامة، وبمدى قدرته على معالجة الملفات التي تشكل مصدر قلق للنخب والمواطنين، وليس فقط بعدد المشاركين أو طول فترة التحضير.

 

وفي هذا السياق، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام المسار المقبل سيكون الانتقال من مرحلة المشاورات والوثائق إلى مرحلة القرارات والإجراءات.

 

الانتخابات المقبلة.. رسالة سياسية واضحة

 

من أكثر الرسائل السياسية وضوحًا في المؤتمر تأكيد الرئيس أن تركيزه ينصب على تنفيذ برنامجه الانتخابي، وأنه سيواصل العمل حتى إجراء انتخابات 2029 وإعلان الفائز بها، مؤكدًا أن الدستور وإرادة الشعب هما المرجعية في المسار السياسي.

 

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل النقاش السياسي حول المستقبل، لأنها تعيد التأكيد على أن الرئيس ينظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة تنفيذ للبرنامج الانتخابي، وليس مرحلة لإعادة رسم قواعد التنافس السياسي أو فتح نقاش حول استمرارية السلطة خارج الأطر الدستورية.

 

وهنا تبرز إحدى أهم النقاط السياسية في المؤتمر: التأكيد على المرجعية الدستورية وإرادة الناخبين، وهي رسالة تحمل أهمية في بلد ظل موضوع التداول السلمي على السلطة حاضرًا بقوة في النقاش العام.

 

الاستقرار.. نقطة قوة في الخطاب الرسمي

 

في الجانب الأمني والإقليمي، حافظ الرئيس على تقديم الاستقرار باعتباره أحد أبرز مكاسب المرحلة، في محيط إقليمي مضطرب، خصوصًا في منطقة الساحل.

 

وهذه النقطة تمثل بالفعل أحد عناصر القوة في الخطاب الرسمي، إذ إن موريتانيا نجحت خلال السنوات الماضية في الحفاظ على وضع أمني مستقر نسبيًا مقارنة بجوارها الإقليمي، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع للتحرك الدبلوماسي والتنموي.

 

غير أن الحفاظ على هذا الاستقرار يظل تحديًا مستمرًا، في ظل التحولات الأمنية المتسارعة في منطقة الساحل، وهو ما يجعل الاستقرار ليس مجرد حصيلة سابقة، بل مسؤولية متواصلة تحتاج إلى يقظة دائمة وسياسات أمنية ودبلوماسية متوازنة.

 

بين الانفتاح الإعلامي وارتفاع سقف التوقعات

 

إذا كان المؤتمر قد منح الرئاسة فرصة لشرح رؤيتها والرد على أسئلة الصحفيين، فإنه في المقابل رفع سقف التوقعات لدى الرأي العام.

 

فكلما اتسعت مساحة التواصل المباشر، ارتفع مستوى انتظار المواطنين للنتائج. وكلما تحدث المسؤول أمام الصحافة عن أرقام وإنجازات وبرامج، أصبحت هذه المعطيات قابلة للقياس والمقارنة والمتابعة.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمؤتمر: ليس في كونه حدثًا إعلاميًا ينتهي بانتهاء البث المباشر، وإنما في كونه نقطة يمكن أن تبدأ منها مرحلة جديدة من المتابعة الصحفية المستمرة.

فالصحافة لا ينبغي أن تكتفي بنقل تصريحات الرئيس، بل عليها أن تعود إليها لاحقًا، وأن تسأل: ماذا تحقق؟

وما الذي تأخر؟

وما هي أسباب التأخير؟

وما هي الوعود التي تحولت إلى مشاريع؟

وما هي المشاريع التي وصلت إلى المواطن؟

وهذه هي الوظيفة الطبيعية للإعلام المهني: أن ينقل، ثم يراقب، ثم يسأل، ثم يقارن، دون أن يتحول إلى خصم سياسي أو منصة دعائية.

 

مؤتمر مهم، والاختبار يبدأ بعده

 

يمكن النظر إلى مؤتمر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مع الصحافة باعتباره محطة سياسية وإعلامية مهمة في مسار الحكم الحالي.

 

فمن جهة، أظهر المؤتمر استعدادًا أكبر للتواصل المباشر مع الصحافة، وقدم للرئيس فرصة لعرض حصيلة عمله والرد على ملفات حساسة، كما حمل رسائل واضحة بشأن الحوار الوطني، ومكافحة الفساد، والتنمية، والاستقرار، والالتزام بالمسار الدستوري.

 

ومن جهة أخرى، فإن المؤتمر وضع الحكومة والسلطة التنفيذية أمام اختبار أكبر؛ لأن التصريحات، مهما كانت مهمة، تظل في النهاية أقل أهمية من النتائج التي يلمسها المواطن على الأرض.

 

لقد قدم الرئيس خلال المؤتمر رواية السلطة عن السنوات الماضية، ودافع عن حصيلتها، وأقر في الوقت ذاته بأن التحديات لا تزال قائمة وأن المطلوب هو المزيد من العمل.

 

وبين الرواية الرسمية والتقييم الشعبي، تبقى المساحة مفتوحة أمام الصحافة والمجتمع لمراقبة ما سيأتي.

 

ولعل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من مؤتمر الأمس هي أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة اختبار للإنجاز أكثر من كونها مرحلة لتقديم الوعود؛ فالمواطن الموريتاني يريد أن يرى أثر السياسات في المدرسة والمستشفى والطريق والماء والكهرباء وفرص العمل، كما يريد أن يرى أن مكافحة الفساد تترجم إلى مؤسسات أكثر شفافية وعدالة أكثر فاعلية.

 

وفي المحصلة، فإن المؤتمر كان خطوة مهمة في اتجاه تعزيز التواصل السياسي والإعلامي، لكن قيمته النهائية ستتحدد بما سيأتي بعده: هل ستتحول الإجابات إلى سياسات؟

وهل تتحول التعهدات إلى إنجازات؟

وهل يصبح التواصل مع الصحافة ممارسة دورية ومؤسسية؟

 

تلك هي الأسئلة التي ستجيب عنها المرحلة المقبلة، وهي أسئلة لا يملك الرئيس وحده إجاباتها، بل ستجيب عنها الوقائع على الأرض، وأداء الحكومة، ومراقبة الصحافة، وحكم المواطنين في نهاية المطاف.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *