بقلم/ محمد عبد الرحمن أحمد عالي
دار البركة (ولاية لبراكنة) – هل يمكنك أن تتخيل كيف تبدو الحياة عندما يغدو الضوء مجرد ذكرى بعيدة، وتصبح رؤية وجوه الأحبة حلماً مستحيلاً يقتله الفقر والعجز كل يوم؟
هذا ليس مشهداً من رواية درامية، بل هو واقع مرير عاشه المئات هنا، على الشريط الحدودي الجنوبي لولاية لبراكنة، حيث انزوت ملامح الحياة خلف غشاوة المرض الصامت.
لكن صباح الجمعة الموافق 19 يوليو 2026 لم يكن يوماً عادياً في مركز “دار البركة” الإداري؛ بل كان موعداً مع القدر، وإجابة عاجلة لنداءات استغاثة صامتة أطلقها بسطاء أقعدتهم الفاقة وقلة الحيلة عن السفر نحو العاصمة نواكشوط لإجراء عمليات جراحية مكلفة لإنقاذ ما تبقى من نور عيونهم.
تحت شمس لبراكنة، وفي قلب هذه المعاناة المنسية، حطّت القافلة الطبية الكبرى التي نظمتها “جمعية متطوعون من أجل التثقيف الصحي في موريتانيا رحالها في دار البركة “.
ولم تكن القافلة مجرد عيادة متنقلة، بل كانت طوق نجاة يقوده “جراح الغلابة والمساكين” البروفيسور الموريتاني سيد اعلي بكار، الذي شدّ الرحال من المملكة المغربية، حاملاً معه ليس فقط أحدث التجهيزات الطبية وغرفة عمليات متكاملة، بل نفساً مفعمة بحب الوطن ونبل العطاء الإنساني.
خلف أبواب غرفة العمليات المتنقلة، جرت ملحمة طبية حقيقية قادها البروفيسور بكار بفريقٍ طبي متفانٍ. هناك، تحول اليأس المتراكم عبر السنين إلى معجزة شفاء تلوح في الأفق.
خمسة عشر شخصاً، كادوا يفقدون الأمل تماماً في استعادة بصرهم بعد أن كبلهم الفقر والبعد عن المستشفيات المركزية، دخلوا الغرفة بقلوب وجلة، وخرجوا منها وقد انقشع الظلام عن عيونهم، ليعودوا إلى الحياة من جديد.
لم تكن دموع الفرح التي انهمرت على وجوه المسنين وعفوية الساكنة بحاجة إلى ترجمان؛ لقد اختصرت ملامحهم حكاية المعاناة التي طواها بلسم الشفاء على يد عراب طب العيون في موريتانيا.
لم يقتصر الأمر على العمليات؛ بل امتد العطاء ليشمل تقديم الفحوصات والأدوية المجانية لأكثر من 390 مريضاً، وتوسعت القافلة لتقدم استشارات في الطب العام والنساء والأطفال، وعمليات ختان جماعي، لتصل الحصيلة الإجمالية إلى 751 مستفيداً تم علاجهم ومواساتهم مجاناً بالمركز الصحي بدار البركة ونقطة الشام الصحية.
هذا النجاح الميداني الباهر لم يكن ليتحقق لولا التناغم والجهد التنظيمي الدؤوب الذي قادته الجمعية برئاسة السيد سيبوكار المبارك، والمواكبة الرسمية والأمنية الصارمة من السلطات المحلية التي سهرت ليل نهار لتسهيل هذه المهمة النبيلة.
ستنتهي أعمال هذه القافلة الطبية هذا المساء وتطوى خيامها، لكن الأثر الفارق الذي تركه البروفيسور سيد اعلي بكار وفريقه سيظل محفوراً في وجدان الساكنة .
ودليلاً قاطعاً على نبل الطبيب الموريتاني الذي لا تنسيه نجاحاته الدولية أهله وبسطاء وطنه.
لقد أعاد البروفيسور بكار لهؤلاء الخمسة عشر نفساً ضياء عيونهم، وأعاد لـ “دار البركة” بريقها، مؤكداً أن يد الخير تستطيع دائماً أن تهزم عتمة المرض والفقر.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل