إعداد وتحليل: محمد عبد الرحمن أحمد عالي
نشر حصري: موقع “الضمير الإخباري”
بعد أكثر من عام من إغلاق الأجواء والصمت الدبلوماسي الحذر، عادت حرارة السياسة لتذيب الجليد المتراكم على الحدود الصحراوية الطويلة بين الجزائر ومالي.
ففي خطوة مفاجئة أعادت خلط الأوراق في المنطقة، أعلنت باماكو والجزائر طي صفحة واحدة من أعقد الأزمات الثنائية، لتفتحا مجاليهما الجويين وتُعيدا السفراء.
تحركٌ يطرح تساؤلات جوهرية حول دوافعه التكتيكية وتداعياته على خارطة التحالفات الهشة في منطقة الساحل.
أرقام وحقائق: مسار الانفراج بعد القطيعة
شهدت الساعات الماضية تطورات متسارعة، حيث أعلنت الحكومتان استئناف علاقاتهما الدبلوماسية.
وقد أمر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بعودة السفير الجزائري، كمال رتيب، إلى العاصمة المالية باماكو.
وفي المقابل، أكدت الحكومة الانتقالية في مالي عودة سفيرها المفوض فوق العادة إلى الجزائر العاصمة.
وترافق هذا التحرك مع خطوة سيادية هامة؛ إذ أعلنت مالي فتح مجالها الجوي أمام جميع الرحلات المدنية والعسكرية من وإلى الجزائر، وهو ما قابلته وزارة الدفاع الجزائرية بقرار مماثل بفتح الأجواء أمام الطيران المالي، مما ينهي إغلاقاً متوتراً استمر لأكثر من 14 شهراً.
جذور الأزمة: “الطائرة المسيرة” واتفاق السلام
تعود جذور القطيعة المباشرة إلى أبريل/نيسان 2025، عندما أسقطت الجزائر طائرة مسيرة عسكرية مالية.
وفي حين اتهمت القيادة العسكرية المالية جارتها الشمالية باستهداف الطائرة داخل الأراضي المالية، أكدت الجزائر أن المسيرة اخترقت أجواءها السيادية.
أدت تلك الحادثة إلى استدعاء متبادل للسفراء وتجميد التعاون المباشر.
ومع ذلك، لم تكن “أزمة المسيّرة” سوى القشة التي قصمت ظهر البعير؛ إذ يرجع المراقبون بداية تدهور العلاقات إلى ما قبل ذلك، وتحديداً عندما أنهت السلطات في مالي العمل باتفاق السلام المبرم عام 2015 مع الانفصاليين الأزواديين، وهو الاتفاق الذي رعته الجزائر وضمنت بنوده.
قراءات تحليلية: ما وراء التقارب؟
لم يمر هذا التحول الدبلوماسي المفاجئ دون أن يثير اهتمام مراكز الدراسات وخبراء الجيوبوليتيك، وقد رصدنا في “الضمير الإخباري” تقاطعاً في آراء نخبة من المحللين حول الدوافع الحقيقية والمكاسب الاستراتيجية:
الهاجس الأمني وضرورة التنسيق:
يرى الصحفي والباحث المتخصص في الحركات المسلحة، وسيم نصر، أن التطورات الميدانية فرضت إيقاعها.
ويشير إلى أن “تأمين الشمال المالي، ومواجهة تمدد التنظيمات المسلحة، مستحيل عملياً دون تنسيق أمني واستخباراتي مع الجزائر التي تتقاسم معها حدوداً شاسعة تقارب 1400 كيلومتر”.
سد الفراغ الإقليمي: من جهته، يقرأ د. حسني عبيدي، مدير مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي والمتوسطي، الخطوة من زاوية التنافس الإقليمي، مؤكداً أن “الجزائر شعرت بخطورة تجميد دورها التاريخي في مالي، خاصة مع دخول قوى إقليمية ودولية جديدة على خط الأزمة، وفضلت استيعاب التوتر لمنع تشكل تحالفات قد تهدد أمنها القومي العميق”.
عقيدة الدبلوماسية الجزائرية: يوضح د. أحمد ميزاب، الخبير الجزائري في الشؤون الأمنية، أن “الجزائر تعتمد في عقيدتها على مبدأ حسن الجوار وحل الأزمات سلمياً”. ويعتبر أن عودة السفراء تمثل دليلاً على أن “الخلافات العابرة لا يمكن أن تلغي حقيقة الجغرافيا والتاريخ المشترك”.
تنويع الشركاء الماليين: يرى الباحث المالي د. بوكاري سانغاري، أن المجلس العسكري في باماكو يدرك اليوم أن “الاستقرار الاقتصادي واللوجستي في مناطقه الشمالية يتطلب تطبيعاً كاملاً مع الجزائر التي تمثل الرئة الاقتصادية للعديد من مدن الشمال المالي”.
الخلاصة التقييمية
يُجمع الخبراء على أن عودة العلاقات بين الجزائر ومالي ليست تحالفاً عاطفياً، بل هي “ضرورة جيوسياسية” فرضتها التحديات الأمنية القاهرة.
إن هذا التراجع عن حافة القطيعة يمثل اعترافاً واقعياً بأن استمرار التوتر يشكل تهديداً وجودياً للجميع، ويبقى التحدي الأكبر متمثلاً في قدرة الطرفين على ترميم الثقة وبناء مقاربة أمنية وتنموية مستدامة.
إضاءة عن الكاتب:
محمد عبد الرحمن أحمد عالي، المدير الناشر لموقع “الضمير الإخباري”، وباحث متخصص في القانون الدستوري والعلوم السياسية. يهتم بمتابعة وتحليل الديناميات السياسية والتحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل والصحراء وإفريقيا الغربية.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل