الزلزال السياسي في داكار.. إقالة سونكو تضع مستقبل “مشروع” التغيير على المحك

اعداد /محمد عبدالرحمن أحمد عالي

في خطوة وُصفت بأنها “نقطة تحول مفصلية” في تاريخ السنغال السياسي الحديث، أصدر الرئيس “باصيرو ديوماي فاي” أمس الجمعة 22 مايو 2026، مرسوماً يقضي بإقالة الوزير الأول “عثمان سونكو” وحل الحكومة. يأتي هذا القرار ليضع حداً لشهور من التكهنات والتوترات الصامتة والمعلنة داخل أروقة الحكم، معيداً رسم خارطة التحالفات في بلدٍ طالما عُرف باستقراره المؤسسي، لكنه اليوم يواجه اختباراً حقيقياً لوحدته السياسية.

سياق الأزمة: من “رفاق الدرب” إلى “صراع الرؤى”

لم تكن إقالة سونكو وليدة اللحظة، بل هي تتويج لمسار متعرج من الخلافات بين الرئيس “فاي” وحليفه السياسي الأول “عثمان سونكو”، مؤسس حزب “باستيف”. مراقبون للشأن السنغالي يؤكدون أن جذور الأزمة تكمن في تباين الرؤى حول كيفية إدارة “المشروع” (وهو الاسم الذي أطلقه الحزب على برنامجه التغييري)؛ حيث كان سونكو يميل إلى اتخاذ مواقف تصادمية مع بقايا النظام القديم والمعارضة، بينما كان الرئيس “فاي” يحاول تبني نهج أكثر توازناً يتسم بـ “الدبلوماسية الهادئة” لضمان استقرار الدولة.

جولة في الصحافة السنغالية: انقسام في قراءة المشهد

عكست الصحافة السنغالية في عددها الصادر اليوم حالة من الصدمة والتحليل العميق:

الصحف المقربة من الخط السياسي للحزب الحاكم: ركزت في تغطيتها على ضرورة الحفاظ على “وحدة الصف” وتجاوز مرحلة الخلافات الشخصية، معتبرة أن قرار الرئيس هو “ضرورة دستورية” لإنقاذ العمل الحكومي من حالة الشلل التي بدأت تظهر نتيجة التباين في القرارات السيادية.

الصحف المعارضة والمستقلة: ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث اعتبرت أن “الطلاق” بين الرجلين يمثل “نهاية شهر العسل” لتيار التغيير، محذرة من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى انشقاقات داخل حزب “باستيف” وتعيد خلط الأوراق الانتخابية قبل أوانها.

رأي المختصين: وجهات نظر متباينة

تيار “الواقعية السياسية”: يرى هؤلاء أن الرئيس “فاي” كان مضطراً لاتخاذ هذا القرار لترسيخ هيبة الدولة. ويؤكد الخبير السياسي “إبراهيما سار” أن “السنغال لا يمكن أن يحكم برأسين، وكان لزاماً على الرئيس أن يختار بين الاستسلام لضغط سونكو أو استعادة كامل صلاحياته الرئاسية لضمان تنفيذ برنامجه”.

تيار “المخاوف الديمقراطية”: يرى في المقابل أن إقصاء شخصية بوزن سونكو – الذي يحظى بقاعدة جماهيرية واسعة من الشباب – هو مخاطرة كبرى. ويشير المحلل “موسى ديوب” إلى أن “سونكو ليس مجرد موظف في الحكومة، بل هو المحرك العقائدي للنظام الحالي، وإقالته قد تفتح الباب أمام موجة من الاحتجاجات الشعبية إذا لم يتم احتواء القاعدة الحزبية الغاضبة”.

قراءة في أبعاد الحدث

إن المشهد اليوم في داكار يتسم بالترقب الحذر. فالسؤال المطروح لم يعد متمثلاً في “لماذا حدثت الإقالة؟” بل “ما الذي سيأتي بعدها؟”. هل سينجح الرئيس في تشكيل حكومة تكنوقراط تلتف حول برنامجه الاقتصادي والاجتماعي؟ أم أن عثمان سونكو سيعود إلى الميدان كمعارض شرس للحكومة التي ساهم هو في تأسيسها؟

تؤكد هذه الواقعة أن السياسة السنغالية تمر بمنعطف حاد؛ حيث تتقاطع طموحات القيادات مع متطلبات الواقع الاقتصادي الصعب، في ظل تحديات إقليمية متزايدة. إن قرار إقالة الحكومة يمثل “لحظة الحقيقة” لهذا النظام؛ فإما أن يؤدي إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي بقوة وحزم، أو يضع البلاد أمام سيناريو من عدم اليقين السياسي الذي قد يؤثر على ثقة الشركاء الدوليين في مستقبل الاستقرار السنغالي.

يبقى المستقبل القريب هو الكفيل بكشف ما إذا كانت هذه الخطوة هي “تضحية ضرورية” من أجل الاستقرار، أم “بداية النهاية” لتحالف كان يوماً ما رمزاً لأمل ملايين السنغاليين في التغيير.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *