اعداد/ محمد عبدالرحمن أحمد عالي .
تشهد العلاقات الموريتانية-المالية منعطفاً بالغ الخطورة، بعد أن تحول “التوتر الصامت” الذي طبع علاقة باماكو بنواكشوط منذ وصول المجلس العسكري بقيادة الجنرال عاصيمي غويتا إلى السلطة، إلى مواجهة دبلوماسية مكشوفة. إن اقتحام مجموعة من المواطنين الماليين للسفارة الموريتانية في باماكو، وتزامن ذلك مع بث تحريض صريح ضد التجار الموريتانيين عبر التلفزيون الرسمي المالي، ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو مؤشر على رغبة السلطات المالية في “تصدير أزماتها الداخلية” نحو الجار الموريتاني.
قراءة في جذور الأزمة
تستند الاستراتيجية المالية الحالية على محاولة البحث عن “عدو خارجي” لتبرير الإخفاقات الأمنية المتلاحقة، لا سيما بعد الهجوم الأخير الذي استهدف وزير الدفاع المالي وضرب العاصمة باماكو، وهو ما دفع السلطات هناك إلى توجيه أصابع الاتهام -دون دليل- إلى موريتانيا بدعم الجماعات المسلحة.
لكن الميدان يروي قصة مختلفة؛ فحادثة قصف الجيش المالي لبرج اتصالات داخل أراضٍ موريتانية قبل فترة، ورد الجيش الموريتاني الحاسم بمحاصرة العناصر المالية واعتقالهم واستعادة المعدات، أثبت أن موريتانيا تتبنى سياسة “الخطوط الحمراء”، وهو ما أربك حسابات “باماكو” وداعميها الذين يبحثون عن ذريعة لزعزعة استقرار المنطقة الحدودية.
أوراق موريتانيا الضاغطة: “استراتيجية الرد الهادئ”
كمراقب للمشهد، أرى أن موريتانيا تمتلك أوراقاً دبلوماسية واقتصادية وازنة، يمكنها من خلالها “تأديب” النظام العسكري في باماكو دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة:
1. ورقة “اليد العاملة”: (الضربة الموجعة)
يوجد في موريتانيا عشرات الآلاف من العمالة المالية، لا سيما في مناطق التنقيب التقليدي عن الذهب وقطاعات التجارة والخدمات. إن التلويح بفرض إجراءات تنظيمية صارمة على إقاماتهم، أو -في حال تفاقم التصعيد- ترحيل هذه العمالة، سيشكل ضربة قاصمة لنظام غويتا. فعودة هذه الأعداد الكبيرة من العمال إلى الداخل المالي المنهك اقتصادياً ستخلق “قنبلة اجتماعية” واحتجاجات شعبية ستضع المجلس العسكري أمام مأزق لا يقل خطورة عن التهديدات الأمنية.
2. ورقة “الشريان الاقتصادي”: (ميناء نواكشوط المستقل)
تعتبر موريتانيا الرئة التي تتنفس منها مالي اقتصادياً في ظل العزلة الإقليمية. يمكن لنواكشوط فرض قيود إدارية مشددة على تدفق البضائع المتجهة لمالي، وهو ما سيؤدي فوراً إلى ارتفاع الأسعار وتضرر الاقتصاد المالي، مما يضع النظام أمام ضغط الشارع والمؤسسات الاقتصادية.
3. تعرية السردية أمام المجتمع الدولي:
تمتلك موريتانيا علاقات متوازنة مع القوى الدولية، ويمكنها تدويل ملف “خطاب الكراهية” الذي تتبناه القنوات الرسمية المالية، مما يضع نظام غويتا في موقف “النظام المارق” دولياً.
4. الورقة الأمنية:
موريتانيا هي الدولة الوحيدة التي نجحت في تحييد خطر الجماعات المسلحة داخلياً. تعليق أي تنسيق أمني استخباراتي مع باماكو سيجعل الجيش المالي “أعمى” في المناطق الحدودية، وهو ما يدرك جنرالات باماكو جيداً عواقبه الكارثية.
إن رد موريتانيا الهادئ باستدعاء السفير المالي كان خطوة ذكية تعكس “نضج الدولة”. إن المواجهة مع نظام غويتا تتطلب “دبلوماسية باردة”. موريتانيا ليست بحاجة إلى الحرب، بل يكفيها أن تغلق “النوافذ الاقتصادية والعمالية” لتشعر باماكو بأن العبث بحدود الجغرافيا وكرامة الجوار هو انتحار سياسي لنظام يترنح أصلاً تحت وطأة أزماته الداخلية.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل