زلزال سياسي في نواذيبو: كيف يغير انسحاب “ولد محمود” خارطة “إيرا”؟ – موقع الضمير الإخباري

اعداد / محمدعبدالرحمن احمد عالي

شهدت الخارطة السياسية في العاصمة الاقتصادية نواذيبو تحولاً استراتيجياً بارزاً، يحمل دلالات بالغة الأهمية على مستوى إعادة هندسة التوازنات المحلية؛ إثر إعلان رئيس مكتب حركة الانبعاث الانعتاقي (إيرا) السابق، المناضل البارز المرابط ولد محمود، انسحابه النهائي من الحركة، وتوجيه بوصلته السياسية والخزانات الانتخابية التابعة له نحو دعم نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

هذا التحول، وبقراءة متأنية في المشهد الموريتاني، يتجاوز مجرد كونه تبديلاً للمواقع السياسية، ليُمثل ضربة بنيوية قاسية للحركة في واحدة من أهم القلاع العمالية والسياسية الحاضنة لخطابها، ويكشف عن نجاح مقاربة “الاستيعاب والتهدئة” التي تنتهجها السلطة.

تفكيك المشهد: من الراديكالية النضالية إلى مظلة النظام

يُصنف المرابط ولد محمود ضمن “الحرس القديم” للحركة في الشمال الموريتاني؛ فالرجل راكم سنوات طويلة من النضال الميداني والخبرة السياسية، وتمكن من بناء قاعدة شعبية جارفة للحركة في أوساط الشغيلة والشرائح الهشة بنواذيبو.

وجاء ظهوره الأخير في تسجيل مصور، محاطاً بكتلة وازنة من أنصاره ومؤيديه، ليعطي طابعاً جماعياً للانسحاب، حيث ركزت رسائله السياسية الجديدة على محاور جوهرية في الخطاب الرسمي الحالي:

الانتقال من “المظلومية” إلى “المسؤولية”: عبر تبني برنامج الرئيس غزواني كإطار مرجعي للمرحلة.

التحول نحو خطاب السلم الأهلي: من خلال التركيز على تعزيز الوحدة الوطنية، ونبذ أشكال التفرقة والانقسام، وهي إشارة ضمنية إلى التحفظ على راديكالية خطاب الحركة الأخير.

عقلنة الموقف السياسي: رغماً عن تبريره الأسبوع الماضي للانسحاب بدواعٍ صحية وتقدمه في السن، إلا أن خروجه السياسي العلني اللاحق يؤكد أن القرار ناتج عن مراجعة فكرية وسياسية شاملة أملتها “المصلحة الوطنية” وتطلبات الاستقرار.

الأبعاد الاستراتيجية وانعكاسات الانسحاب على مستقبل “إيرا”

من واقع معرفتنا اللصيقة بالديناميكيات السياسية في موريتانيا، فإن هذا الانسحاب ستكون له ارتدادات عميقة على مستقبل حركة “إيرا” وجناحها السياسي في نواذيبو، وذلك وفق المحددات التالية:

1. تصدع الجبهة الشمالية للحركة

تعتبر نواذيبو تاريخياً بيئة عمالية خصبة للحركات الاحتجاجية. وبخروج ولد محمود، تفقد الحركة “الرأس المدبر” ومهندس التعبئة الميدانية، مما يترك فراغاً كاريزمياً وتنظيمياً هائلاً يصعب ملؤه في المدى القريب، ويجعل القواعد الشعبية هناك بلا قيادة محلية موثوقة.

2. هجرة الخزانات الانتخابية ونزيف القواعد

في الممارسة السياسية الموريتانية، ترتبط القواعد الشعبية بالقيادات المحلية ارتباطاً وثيقاً. إعلان ولد محمود دعمه للنظام برفقة أطر وأنصار الحركة يعني تلقائياً تشتت الكتلة الناخبة لـ”إيرا” وانتقال جزء وازن منها إلى معسكر الأغلبية، مما يضعف القوة التصويتية والمساومية للحركة في الاستحقاقات المحلية والنيابية القادمة.

3. نجاح تكتيكات الاختراق والتهدئة

يؤكد هذا الانسحاب نجاح استراتيجية نظام الرئيس غزواني القائمة على تفكيك قلاع المعارضة الراديكالية هادئةً عبر الانفتاح، واللعب على أوتار الاستقرار والانسجام الاجتماعي. فالنظام لم يكسب فقط فاعلاً سياسياً، بل سحب البساط من تحت إحدى أكثر الحركات تأثيراً في العاصمة الاقتصادية.

 

يضع هذا التحول حركة “إيرا” أمام تحدٍ وجودي في الشمال الموريتاني، يجبرها على مراجعة آلياتها التنظيمية وخطابها السياسي للحفاظ على ما تبقى من قواعدها.

وفي المقابل، يمنح هذا الانسحاب النظام ورقة استراتيجية قوية تعزز من نفوذه في مدينة عمالية عرفت تاريخياً بتمردها السياسي، مما يعيد رسم خارطة النفوذ السياسي في نواذيبو

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!