“الحزن المعلّق” في غزة.. الإخفاء القسري سلاح جديد يضاعف مآسي العائلات الفلسطينية

إعداد: محمد عبد الرحمن أحمد عالي | الضمير الإخباري.

 

في قطاع غزة، حيث تحولت الأحياء السكنية إلى ركام، وأثقلت الحرب كاهل السكان بالجوع والنزوح والخوف، برزت مأساة جديدة تزيد من معاناة آلاف العائلات الفلسطينية، تتمثل في ملف المفقودين والمخفيين قسرا داخل السجون الإسرائيلية أو تحت الأنقاض، في مشهد إنساني يوصف بأنه أحد أكثر تداعيات الحرب قسوة وغموضا.

ووفقا لتقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرا، فإن ما بين 7 إلى 8 آلاف فلسطيني ما زالوا في عداد المفقودين منذ اندلاع الحرب على غزة، وسط اتهامات لإسرائيل بانتهاج سياسة “الإخفاء الممنهج” وحرمان العائلات من معرفة مصير أبنائها.

وقالت مديرة المركز ندى نبيل إن آلاف الأسر الفلسطينية تعيش حالة من القلق الدائم بسبب غياب أي معلومات عن ذويها، مشيرة إلى وجود اعتقاد بأن نحو 1500 شخص من المفقودين محتجزون داخل السجون الإسرائيلية دون الكشف عن أسمائهم أو السماح بزيارتهم.

وأضافت أن سلطات الاحتلال تتعمد حجب المعلومات المتعلقة بالمعتقلين الفلسطينيين، معتبرة أن ذلك يمثل “تعذيبا نفسيا جماعيا” للعائلات التي تعيش بين الأمل واليأس، في ظل غياب أي تأكيد رسمي حول مصير أبنائها.

وتسببت هذه الحالة في انتشار ما يعرف نفسيا بـ”الحزن المعلّق” أو “الفقد الغامض”، حيث تبقى العائلات عاجزة عن الحداد أو التعايش مع الواقع، بسبب غياب اليقين بشأن حياة أو وفاة المفقودين.

ولا تقتصر تداعيات الإخفاء القسري على الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى الأوضاع الاجتماعية والقانونية، إذ تجد العديد من النساء أنفسهن في وضع قانوني معقد، فلا يدرين إن كنّ أرامل أم ما زلن على ذمة أزواجهن، وهو ما ينعكس على قضايا الميراث والزواج والإعالة.

وفي خضم هذه المأساة، برزت قصة الشاب الفلسطيني عيد نائل أبو شعر (25 عاما)، التي تحولت إلى رمز للأمل وسط الألم، بعد أن عاد اسمه إلى الحياة عقب 18 شهرا من اختفائه.

فقد اختفى عيد في ديسمبر 2024 أثناء بحثه عن عمل قرب محور “نتساريم” وسط قطاع غزة، لتبدأ عائلته رحلة شاقة بين المستشفيات والمشارح ومراكز الإيواء بحثا عنه، قبل أن تستسلم في النهاية لفكرة وفاته، وتستخرج شهادة وفاة رسمية وتقيم خيمة عزاء لاستقبال المعزين.

غير أن مكالمة هاتفية من محام فلسطيني قلبت كل الموازين، بعدما أكد أن الشاب ما يزال على قيد الحياة ومحتجز داخل سجن “عوفر” الإسرائيلي.

والدة عيد، مها أبو شعر، قالت إن قلبها لم يصدق يوما خبر وفاة ابنها، مؤكدة أنها رفضت إقامة صلاة الغائب عليه رغم ضغوط المحيطين بها، مضيفة: “كنت أشعر دائما أنه ما زال حيا”.

وعقب تأكيد الخبر، تحولت خيمة العزاء إلى ساحة فرح، حيث وزعت العائلة الحلوى وسط مشاعر مختلطة بين السعادة ببقائه حيا والخوف مما قد يتعرض له داخل السجن.

ورغم لحظة الأمل التي عاشتها عائلة أبو شعر، فإن آلاف العائلات الفلسطينية الأخرى ما تزال تترقب خبرا قد ينهي سنوات من الانتظار، في ظل استمرار الحرب، وتعثر الجهود الدولية، وغياب أي آليات فاعلة للكشف عن مصير المفقودين في قطاع غزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!