المدير ولدبونه.. الإدارة حين تتحول إلى مسؤولية ميدانية/ محمد عبد الرحمن أحمد عالي

 

في التجارب الإدارية الناجحة، لا تُقاس قيمة المسؤول بمدى قربه من المكاتب أو النصوص التنظيمية، بل بقدرته على تحويل القرار إلى أثر ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية. وفي هذا الإطار، تبرز تجربة الإطار المدير ولدبونه كأحد النماذج التي جسدت مفهوم الإدارة الميدانية بكل أبعاده العملية.

خلال توليه تسيير مؤسسات حيوية مثل ميناء الصيد التقليدي في نواذيبو، ثم المكتب الوطني لخدمات الماء في الوسط الريفي، لم يكن العمل الإداري بالنسبة له نشاطا مكتبيًا محضًا، بل كان انخراطا مباشرا في تفاصيل الواقع، حيث تتقاطع التحديات اليومية مع تطلعات المواطنين إلى خدمات أفضل وظروف معيشية أحسن.

في هذه المواقع، لم تكن القرارات تُتخذ بمعزل عن الميدان، بل كانت تُبنى على معطيات واقعية تستمد مشروعيتها من الاحتكاك المباشر بالمشكلات. فإدارة ميناء بحجم نواذيبو، على سبيل المثال، تعني التعامل مع قطاع اقتصادي حيوي يرتبط بمصالح الصيادين والفاعلين الاقتصاديين وسلاسل التوريد، وهو ما يتطلب حسًا عمليًا وقدرة على التوازن بين متطلبات الإنتاج والتنظيم.

أما في مجال المياه الريفية، فقد كانت التحديات أكثر حساسية، نظرا لارتباطها المباشر بحياة السكان اليومية، حيث يشكل توفير الماء النظيف عنصرًا أساسيا في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وهنا برزت أهمية المقاربة الميدانية التي تعتمد على المتابعة المستمرة، وفهم احتياجات السكان، والعمل على تقليص الفجوة بين التخطيط والتنفيذ.

هذه التجربة الإدارية أظهرت بوضوح أن المدير ولدبونه لم يتعامل مع التسيير باعتباره وظيفة تقنية، بل كمسؤولية اجتماعية ذات بعد إنساني، حيث يصبح نجاح المؤسسة مرتبطا بشكل مباشر بتحسن حياة الناس، لا بعدد التقارير أو المؤشرات النظرية فقط.

كما أن هذا النمط من الإدارة عزز لديه قناعة راسخة مفادها أن السياسات العامة، مهما كانت طموحة، تظل ناقصة إذا لم تُترجم إلى نتائج على الأرض، وأن المسؤول الحقيقي هو من ينزل إلى الميدان، ويستمع، ويصحح، ويواكب التنفيذ خطوة بخطوة.

إن ما يميز هذه المرحلة من مسيرته هو تحول الإدارة إلى ممارسة قريبة من المواطن، تُقاس فيها النجاحات بمدى توفر الخدمات، وتحسن الجودة، واستجابة المؤسسات لاحتياجات المجتمع. وهو ما جعل حضوره الإداري يتجاوز البعد التقليدي إلى نموذج أقرب إلى الإدارة التفاعلية.

وفي النهاية، تقدم تجربة المدير ولدبونه في هذا المجال صورة واضحة عن مسؤول يؤمن بأن الإدارة ليست مكاتب مغلقة، بل مسؤولية ميدانية مفتوحة على الواقع، وأن قيمة أي تسيير تُقاس بما ينعكس على حياة الناس، لا بما يُكتب في التقارير.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!