في خضم التحديات التنموية التي تواجه الدول، كثيرا ما ينصرف الاهتمام إلى الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، غير أن التجارب الناجحة تؤكد أن الإنسان يظل حجر الزاوية في أي مشروع تنموي حقيقي. وفي هذا السياق، تبرز تجربة الإطار المدير ولدبونه حين تولى وزارة محو الأمية سنة 2003، باعتبارها محطة مفصلية تعكس رؤية عميقة لطبيعة التنمية وأولوياتها.
لم يكن ذلك المنصب مجرد وظيفة حكومية عابرة، بل شكل اختيارا واعيا للانطلاق من القاعدة الصلبة لأي تحول: بناء الإنسان. فمحو الأمية، في بلد يسعى إلى تحقيق نهضة شاملة، ليس مجرد برنامج اجتماعي، بل هو استثمار استراتيجي يفتح الأبواب أمام الوعي، ويعزز فرص الاندماج، ويمهد الطريق أمام التنمية المستدامة.
لقد أدرك المدير ولدبونه مبكرا أن المشاريع الكبرى، مهما بلغت أهميتها، تظل محدودة الأثر إذا لم تُواكب بإنسان قادر على الفهم والمساهمة والإبداع. ومن هنا، جاءت مقاربته التي تضع التعليم ومحو الأمية في صدارة الأولويات، باعتبارهما المدخل الحقيقي لأي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي.
خلال تلك المرحلة، لم يكن التحدي تقنيا فحسب، بل كان رهانا على تغيير واقع اجتماعي معقد، يتطلب الصبر والتخطيط والعمل الميداني. وهو ما جعل هذه التجربة تتجاوز بعدها الإداري، لتتحول إلى محطة تأسيسية في مسار الرجل، تعكس قناعته بأن التنمية لا تُفرض من الأعلى، بل تُبنى من داخل المجتمع.
كما أن هذه الرؤية لم تبق حبيسة تلك المرحلة، بل ظلت حاضرة في مختلف المناصب التي تقلدها لاحقا، حيث ظل البعد الإنساني عنصرا مركزيا في مقاربته لمختلف الملفات، سواء في الإعلام أو الإدارة أو العمل السياسي.
إن قراءة تجربة المدير ولدبونه من زاوية وزارة محو الأمية تكشف عن فلسفة واضحة: التنمية تبدأ من الإنسان، وتنتهي به. وهي رسالة تزداد راهنية في ظل التحولات المتسارعة، التي تجعل من الاستثمار في الإنسان الخيار الأكثر استدامة.
في المحصلة، لم تكن تلك المحطة مجرد بداية لمسار مهني، بل كانت تعبيرا عن رؤية متكاملة، تؤمن بأن الأرقام مهما ارتفعت، تبقى بلا معنى إذا لم تنعكس إيجابا على حياة الإنسان وكرامته
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل