تشهد العاصمة الموريتانية نواكشوط حراكاً دبلوماسياً واقتصادياً مكثفاً، يضع البلاد أمام مرحلة جديدة من إعادة صياغة الأولويات التنموية والأمنية. فمن بوابة تعزيز الشراكات مع القوى الاقتصادية الكبرى مثل قطر والولايات المتحدة، وصولاً إلى ترتيب البيت الداخلي أمنياً مع حلول شهر رمضان، ترسم الحكومة الموريتانية ملامح استراتيجية تسعى من خلالها إلى الموازنة بين جلب الاستثمارات وضمان الاستقرار الميداني.
بوصلة الاستثمار: قطر وأمريكا في قلب المشهد
في لقاء عكس رغبة نواكشوط في تحويل الدعم الدولي إلى مشاريع ملموسة، بحث وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية، عبد الله سليمان الشيخ سيديا، مع السفير القطري شاهين بن علي الكعبي، آليات توجيه التمويلات نحو القطاعات ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي المباشر. ويرى محللون أن هذا التحرك يتجاوز مجرد “التمويل التقليدي” إلى محاولة خلق بيئة أعمال جاذبة قادرة على استقطاب الرساميل القطرية لمشاريع حيوية.
بالتوازي مع ذلك، جاء استقبال الوزير الأول، المختار ولد أجاي، للقائمة بالأعمال بسفارة الولايات المتحدة، كورينا آر ساندرز، ليؤكد على محورية العلاقات مع واشنطن، ليس فقط في الجوانب السياسية، بل وفي تعزيز التعاون التجاري الذي حضر ممثله في الاجتماع.
الاستقرار الداخلي: “رمضان آمن” تحت مجهر الأمن
ميدانياً، استعرضت الشرطة الوطنية وحداتها في ساحة المطار القديم، معلنة عن خطة أمنية وقائية شاملة لتأمين العاصمة خلال شهر رمضان. وتعتمد الخطة على نشر 150 وحدة لوجستية لضمان انسيابية المرور ومكافحة الجريمة في الأحياء المكتظة، بنظام مداومة على مدار الساعة.
بين التأييد والمعارضة: قراءة في المواقف
كعادة المشهد السياسي الموريتاني، تباينت القراءات حول هذه التحركات الحكومية:
أولاً: وجهة نظر المؤيدين (النظام)
يرى أنصار النظام أن هذه التحركات تعكس “ديناميكية سيادية” ونجاحاً في تسويق موريتانيا كواجهة مستقرة للاستثمار في منطقة مضطربة.
تنمية هادفة: يعتبر المؤيدون أن التركيز على “المشاريع ذات الأولوية” مع الجانب القطري ينهي حقبة التمويلات المشتتة ويضع الاقتصاد على سكة الاستدامة.
انفتاح متوازن: يثمن هذا التيار الانفتاح على القوى الدولية (أمريكا وقطر) كدليل على توازن الدبلوماسية الموريتانية وقدرتها على جلب المنافع الوطنية من مختلف الأقطاب.
هيبة الدولة: يرى الموالون في استعراض الشرطة لوحداتها رسالة طمأنة للمواطن، وتأكيداً على جاهزية المؤسسة الأمنية لحماية السكينة العامة.
ثانياً: وجهة نظر المعارضين
في المقابل، يتبنى تيار المعارضة قراءة أكثر حذراً وانتقاداً لهذه الملفات:
غياب الأثر الملموس: يجادل المعارضون بأن توقيع الاتفاقيات واللقاءات البروتوكولية لم ينعكس بعد على القوة الشرائية للمواطن أو يحد من البطالة، معتبرين أن “تحسين بيئة الأعمال” يبقى شعاراً بعيد المنال في ظل البيروقراطية.
الارتهان للخارج: يحذر بعض المنتقدين من الاعتماد المفرط على التمويلات الخارجية والديون، مطالبيين ببدائل وطنية ترتكز على الإنتاج المحلي بدلاً من انتظار الاستثمارات الوافدة.
الأمن الوقائي أم الاستعراضي؟: تنتقد أصوات معارضة ما تسميه “العروض الكرنفالية” للأمن، معتبرة أن العبرة ليست في عدد السيارات والدراجات المستعرضة، بل في تراجع نسب الجريمة والقدرة على تأمين الأحياء الطرفية بعيداً عن أضواء الكاميرات.
خلاصة القول، تقف موريتانيا اليوم في منطقة وسطى بين طموحات اقتصادية كبرى وتحديات أمنية واجتماعية ملحة. ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة الحكومة على تحويل هذه التفاهمات الدبلوماسية والخطط الأمنية إلى واقع يعيشه المواطن الموريتاني في يومياته خلال الشهر الكريم وما بعده.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل