الحوار السياسي في موريتانيا.. بحث عن “عقد اجتماعي” جديد أم تهدئة مرحلية؟

تتجه الأنظار في العاصمة الموريتانية نواكشوط نحو جولة جديدة من “الحوار الوطني” المرتقب بين نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وطيف واسع من أحزاب المعارضة. ويأتي هذا الحراك السياسي وسط أجواء من الترقب حول قدرة القوى السياسية على تجاوز الخلافات التقليدية وصياغة رؤية موحدة لمستقبل البلاد في ظل تحديات إقليمية واقتصادية متزايدة.

مناخ التهدئة وتراكمات الثقة

منذ وصول الرئيس الغزواني للسلطة، سادت لغة التهدئة السياسية التي أنهت عقداً من الاستقطاب الحاد في عهد سلفه. ويرى محللون أن هذا المناخ التوافقي هو الذي مهد الطريق للحديث عن حوار شامل لا يقصي أحداً. وبحسب مصادر قريبة من كواليس التحضير، فإن الأجندة المقترحة للحوار تتجاوز “المحاصصة السياسية” لتلامس قضايا جوهرية تتعلق بالإصلاح الانتخابي، والوحدة الوطنية، وتوزيع الثروة.

أجندة الحوار: ملفات شائكة على الطاولة

تتمحور النقاشات الأولية حول عدة ملفات إستراتيجية، من أبرزها:

الإصلاح الانتخابي: مراجعة القوانين المنظمة للانتخابات وضمان استقلالية اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، لضمان نزاهة الاستحقاقات القادمة.

الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية: معالجة ملفات “الإرث الإنساني” وقضايا الرق ومخلفاته، وهي ملفات تشكل ركيزة أساسية في خطاب المعارضة الراديكالية.

الحوكمة ومكافحة الفساد: وضع آليات أكثر صرامة للرقابة على المال العام، خاصة مع التوقعات ببدء إنتاج الغاز وتدفق موارد مالية ضخمة.

المواقف المتباينة: بين التفاؤل والحذر

الموالاة: يرى حزب “الإنصاف” الحاكم أن الحوار هو استمرار لنهج الانفتاح الذي بدأه الرئيس، ويهدف إلى إشراك الجميع في بناء الدولة دون شروط مسبقة تعيق التقدم.

المعارضة: تنقسم مواقفها بين “تفاؤل حذر” لدى الأحزاب التقليدية التي ترى في الحوار فرصة للإصلاح من الداخل، وبين “تشكيك” لدى بعض القوى الشبابية والحقوقية التي تخشى أن يكون الحوار مجرد “وسيلة لامتصاص الحماس الشعبي” دون تقديم تنازلات جوهرية من النظام.

تحديات الرهان وتوقعات المسار

يرى مراقبون أن نجاح الحوار السياسي هذه المرة مرهون بمدى قدرة الطرفين على تقديم “تنازلات مؤلمة”. فالمعارضة تطالب بضمانات تنفيذية لمخرجات الحوار، بينما يسعى النظام للحفاظ على استقرار المؤسسات وتجنب أي هزات سياسية قد تؤثر على مناخ الاستثمار الطاقوي الواعد في البلاد.

وتشير التقديرات إلى أن الأسابيع القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد “سقف الحوار”؛ فإما أن يفضي إلى “ميثاق وطني” يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي، أو يظل في إطار “المشاورات الروتينية” التي تكتفي بملامسة القشور دون النفاذ إلى عمق الأزمات البنيوية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!