عاد الجدل الاقتصادي في موريتانيا ليتصدر واجهة الأحداث هذا الأسبوع، مع تسريبات وتقارير تتحدث عن توجه حكومي لمراجعة سياسة دعم أسعار المحروقات. ويأتي هذا الحراك في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مزدوجة من المؤسسات المالية الدولية، مقابل مخاوف شعبية من انعكاسات القرار على القدرة الشرائية المنهكة أصلاً بفعل التضخم.
توصيات دولية وضغوط ميزانية
تعتمد الدولة الموريتانية منذ عقود نظاماً لدعم الطاقة، يكلف الخزينة العامة مبالغ ضخمة سنوياً. وبحسب تقارير صندوق النقد الدولي الأخيرة، فإن الاستمرار في الدعم “الشامل” للمحروقات يشكل استنزافاً للموارد المالية التي يمكن توجيهها لقطاعات التعليم والصحة.
وتشير البيانات المالية إلى أن الحكومة الموريتانية تخصص مئات المليارات من الأوقية سنوياً للحفاظ على استقرار أسعار الديزل والبنزين، وهو ما تصفه المؤسسات الدولية بـ “الدعم غير المستهدف” الذي يستفيد منه الأغنياء والشركات الكبرى أكثر من الطبقات الهشة.
مخاوف من “متوالية التضخم”
في المقابل، يرى محللون اقتصاديون في نواكشوط أن أي تحريك لأسعار المحروقات سيؤدي فوراً إلى ما يُعرف بـ “متوالية التضخم”. ويبرر هؤلاء تخوفاتهم بأن قطاع النقل يمثل العصب الحيوي لتوزيع السلع الأساسية في بلد شاسع المساحة مثل موريتانيا؛ وبالتالي فإن أي زيادة في سعر اللتر ستنعكس زيادةً مضاعفة في أسعار الخضروات، الحبوب، واللحوم.
ويؤكد الخبراء أن الشارع الموريتاني لا يزال يعاني من آثار الموجات التضخمية السابقة، وأن مراجعة الدعم في هذا التوقيت قد تؤدي إلى تآكل ما تبقى من الطبقة المتوسطة ودفع فئات جديدة نحو دائرة الفقر المدقع.
البحث عن “الهبوط الآمن”
وتشير التوقعات المهنية إلى أن الحكومة الموريتانية، بقيادة المختار ولد أجاي، قد تلجأ إلى أحد سيناريوهين:
الرفع التدريجي: توزيع الزيادات على فترات زمنية متباعدة لامتصاص الصدمة.
الدعم الموجه: تحويل مبالغ الدعم من السلعة (المحروقات) إلى الأفراد (الأسر الأقل دخلاً) عبر التحويلات النقدية المباشرة (مثل برنامج “تآزر”).
توقعات وتحليل
يرى مراقبون أن الحكومة الموريتانية تسير في “حقل ألغام” اقتصادي؛ فمن جهة تسعى لتحسين تصنيفها لدى المانحين وتوفير سيولة مالية لمشاريع البنية التحتية، ومن جهة أخرى تدرك أن أمنها الاجتماعي مرتبط بمدى قدرتها على لجم الأسعار.
ويبقى السؤال المطروح في ردهات وزارة الاقتصاد: هل تمتلك الحكومة “آليات الحماية الاجتماعية” الكافية لاحتواء تداعيات رفع الدعم في حال تم إقراره؟ الإجابة على هذا السؤال هي ما سيحدد شكل المشهد الاجتماعي في موريتانيا خلال النصف الأول من عام 2026.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل