نواكشوط | خاص
في خطوة تعكس استمرار التنسيق الأمني الوثيق بين نواكشوط وباريس، احتضنت العاصمة الموريتانية الوم الثلاثاء إطلاق مشروع مشترك لتعزيز “السلسلة الجزائية” في مجال مكافحة تهريب المهاجرين. المشروع الذي يمتد لعامين بتمويل فرنسي قدره مليون يورو، يأتي في وقت تشهد فيه أرقام الهجرة غير النظامية تراجعاً لافتاً، لكنه يفتح في المقابل باب السجال السياسي المحلي حول جدوى هذه الاتفاقيات وعوائدها الحقيقية على البلاد.
تفاصيل “خارطة الطريق” الأمنية
المشروع الذي سيتم تنفيذه بالتنسيق مع وكالة “إيكسبارتيز فرانس”، يرتكز على ثلاثة محاور أساسية: تعزيز القدرات المهنية للفاعلين في القضاء والأمن، تحسين التنسيق بين الإدارات الحكومية، وحماية الفئات الهشة من المهاجرين عبر دعم منظمات المجتمع المدني.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن السفارة الفرنسية إلى “نجاحات ملموسة” تحققت خلال عام 2025، حيث انخفض عدد الوافدين غير النظاميين إلى جزر الكناري إلى 17 ألف شخص، مقارنة بـ 47 ألفاً في عام 2024، وهو تراجع بنسبة تجاوزت 60%
مؤيدو النظام: “خطوة استراتيجية لحماية الوطن”
بالنسبة للأصوات المؤيدة للنظام، فإن هذا المشروع يمثل “اعترافاً دولياً” بنجاح المقاربة الأمنية الموريتانية. ويرى هؤلاء أن الاتفاقية تحقق مكاسب متعددة:
تعزيز السيادة القانونية: من خلال تزويد المحاكم المتخصصة في مكافحة الاسترقاق والاتجار بالبشر بالمعدات والخبرات اللازمة، مما يجعل القضاء الموريتاني أكثر قدرة على مواجهة الجريمة العابرة للحدود.
استمرارية النجاح: يرون أن التراجع الكبير في أعداد المهاجرين عام 2025 لم يكن صدفة، بل نتيجة لهذا النوع من الشراكات التي توفر الدعم اللوجستي والفني للقوات الأمنية.
البعد الإنساني: يؤكد المدافعون عن الخطوة أن التركيز على حماية النساء والأطفال ضحايا التهريب يرفع من رصيد موريتانيا في سجلات حقوق الإنسان الدولية.
المعارضة: “اتفاقيات شكلية لمصالح ضيقة”
على المقلب الآخر، تقرأ المعارضة الموريتانية هذا المشهد بعين الريبة، حيث يسود اعتقاد لدى أقطابها بأن هذه الاتفاقيات تخدم “النظام لا الوطن”. وتتلخص وجهة نظرهم في النقاط التالية:
غياب الأثر التنموي: تعتبر المعارضة أن تمويلاً قدره مليون يورو هو مبلغ “زهيد” لا يلامس جذور مشكلة الهجرة، ويذهب جله في “دورات تكوينية” و”بدلات سفر” يستفيد منها كبار الموظفين والمقربون من دوائر القرار، دون أن ينعكس ذلك على المواطن البسيط.
تغليب الأجندة الخارجية: يرى المنتقدون أن موريتانيا تتحول بهذه المشاريع إلى “حارس حدود” للمصالح الأوروبية (والفرنسية تحديداً)، مقابل فتات مالي لا يخدم التنمية المستدامة في البلاد.
الشكوك في الفعالية: يطرح معارضون تساؤلات حول جدوى إطلاق مشروع جديد إذا كان الضغط الأمني قد تراجع بالفعل كما يزعم البيان، معتبرين أن الأمر لا يتعدى كونه “بروباغندا” سياسية لتلميع صورة النظام أمام المجتمع الدولي.
استشراف المستقبل
بين احتفاء الحكومة بـ “المقاربة المزدوجة” (الردع والحماية) وانتقادات المعارضة لما تسميه “ارتهان الإرادة السياسية”، يظل الميدان هو الحكم. فهل سيتمكن هذا المشروع من تجفيف منابع الشبكات الإجرامية المنظمة فعلياً؟ أم أنه سيتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة المشاريع التي تثير الجدل أكثر مما تحقق من نتائج ملموسة على الأرض؟
يبقى الأكيد أن فندق “شيراتون” الذي شهد التوقيع اليوم، كان شاهداً على فصل جديد من فصول الصراع بين رؤيتين لإدارة ملف الهجرة في موريتانيا.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل