كشف تقرير رسمي صادر عن محكمة الحسابات عن جملة من الاختلالات الخطيرة داخل شركة الكهرباء الوطنية، شملت الجوانب المالية والإدارية والتقنية، وأدت إلى خسائر بمليارات الأوقية القديمة، نتيجة سوء التسيير وضعف المتابعة وتهالك الأنظمة المعتمدة.
ديون غير محصلة وخسائر مالية كبيرة
أوضح التقرير أن الشركة أوقفت في بعض الحالات نشاط زبناء من فئة الجهد المتوسط رغم امتلاكهم أرصدة مدينة، دون أن تتخذ الإجراءات اللازمة لتحصيل الديون المتراكمة عليهم قبل إنهاء نشاطهم، وهو ما تسبب في خسارة مالية قدرت بـ428.872.270 أوقية قديمة.
وأشار التقرير إلى أن ديون الشركة على الزبناء العموميين بلغت حتى نهاية عام 2022 نحو 5.989.333.300 أوقية قديمة، متهما الإدارة بالتقاعس عن تحصيلها، ما أدى إلى ارتفاع نسبة المتأخرات إلى 18%، في مخالفة صريحة للمادة (2.3) من القانون رقم 25-2001، التي تلزم الشركة بإشعار الدولة بالديون التي تتجاوز خمسة ملايين أوقية قديمة وتسديدها خلال 15 يوما من الإشعار.
نظام إداري ومعلوماتي متقادم
ولاحظ التقرير غياب الجرد المادي للأصول الثابتة للشركة، وعدم تحديث النظام المحاسبي، ووجود اختلالات في حسابات التحويل والتسوية، بالإضافة إلى وجود أرصدة غير مبررة في بعض الصناديق.
كما وصف التقرير النظام المعلوماتي للشركة بأنه “متقادم وغير فعال”، إذ يعتمد على لغة برمجة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، ولا يسمح بمتابعة دقيقة للمشتركين أو ربط البيانات بالرقم الوطني، فضلا عن عدم قدرته على معالجة المدفوعات اليومية أو إنتاج التقارير المالية بشكل فوري.
اختلالات في تسيير العمال والفوترة
وانتقد التقرير لجوء الشركة إلى الفوترة التقديرية بدلا من الفوترة الفعلية لاستهلاك الكهرباء، محذرا من آثارها السلبية على الشفافية المالية. كما كشف عن اختلالات واسعة في تشغيل العمال المؤقتين البالغ عددهم 1061 عاملا، أي ما يمثل 57% من إجمالي القوة العاملة، دون عقود قانونية أو حقوق مضمونة، رغم تولي بعضهم مهام حيوية داخل الشركة.
وأشار التقرير إلى أن هذه الوضعية تعيق توظيف كفاءات جديدة وتزيد من الأعباء المالية على المؤسسة، إلى جانب تراكم الضرائب ومستحقات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي غير المسددة.
هدر في الطاقة بملايين الميغاوات
وسجل التقرير إهدار كميات كبيرة من الطاقة المستلمة بلغت أكثر من 700 ميغاوات/ساعة خلال عامي 2021 و2022، مقدرا الخسائر المالية الناجمة عن ذلك بنحو 28.351.579.500 أوقية قديمة.
وأرجع التقرير هذا الهدر إلى التوصيلات غير القانونية، وتخفيض سرعة العدادات، وتغيير شدة التيار الكهربائي، إضافة إلى ضعف الرقابة الميدانية.
ملاحظات تتعلق بالصفقات والإجراءات القانونية
كما لاحظ التقرير مشاركة بعض أعضاء لجان الصفقات العمومية في لجان تقييم العروض، وتقديم كفالات تنفيذ غير مطابقة للشروط، فضلا عن نواقص في تحقيق بعض الأهداف الاستراتيجية للشركة.
ردود المدير العام السابق
وفي رده على هذه الملاحظات، أقر المدير العام السابق للشركة الشيخ ولد بده (المندوب العام الحالي لمندوبية “تآزر”) بتهالك النظام المعلوماتي، مشيرا إلى أنه خلال فترة إدارته تم إطلاق مناقصة لاقتناء نظام جديد أكثر شفافية وفعالية.
وأوضح أن لجوء الشركة إلى الفوترة التقديرية كان نتيجة تحايل بعض الزبناء الذين يغلقون محلاتهم أو يخفون العدادات، مؤكدا أن الحل الجذري لهذه الإشكالية يكمن في اعتماد العدادات الذكية بنظام الدفع المسبق.
وبرر عدم تسديد مستحقات صندوق الضمان الاجتماعي والخدمات الصحية بصعوبات مالية واجهتها الشركة إثر أزمة المحروقات، مضيفا أن الصندوق يطالب بتسديد اشتراكات العمال المؤقتين، وهو ما رفضته الشركة لغياب بيانات دقيقة عنهم.
أما بخصوص أكثر من 20 ألف مشترك لم يسددوا أي فاتورة منذ قرابة 20 عاما، فقد أرجع السبب إلى ضعف الوسائل التقنية وغياب نظام فعال للمتابعة، إضافة إلى تفشي ظاهرة إعادة تشغيل الخدمة بشكل غير قانوني بعد قطعها.
ورأت المحكمة أن هذه الردود جاءت عامة وغير مدعومة بالأدلة، مؤكدة أن الملاحظات تتعلق بزبناء محددين لم يسددوا أي فاتورة منذ اشتراكهم ولم تُفسخ عقودهم.
وفيما يتعلق بالديون العمومية، أوضح المدير أنه وجّه العديد من الرسائل إلى الجهات الوصية وحثها على التسديد، وتم إنشاء لجنة وزارية لمتابعة الملف، غير أن الوضع بقي دون تغيير، معتبرا أن الشركة لا تستطيع قطع الكهرباء عن مؤسسات تقدم خدمات عامة أساسية.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل