موريتانيا والصين: شراكة استراتيجية في زمن إعادة رسم النفوذ في الساحل- موقع الضمير الاخباري

اعداد /عبدالرحمن أحمد عالي

في زمن يعاد فيه تشكيل موازين القوى في إفريقيا، وبين تنافس روسي-غربي محتدم على منطقة الساحل، تبرز العلاقات الموريتانية-الصينية كنموذج مستقر لشراكة دبلوماسية راسخة تتجه نحو أفق جديد من التعاون الاستراتيجي.

في العاصمة نواكشوط، احتفلت رابطة الموريتانيين خريجي الصين مساء السبت بالذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين نواكشوط وبكين. الندوة التي حملت عنوان “العلاقات الموريتانية الصينية وآفاق التعاون المشترك”، تحوّلت إلى ما يشبه استعراضًا لعقود من التفاهمات السياسية والاقتصادية، وسط دعوات صريحة لتعميق الحضور الصيني في القطاعات الحيوية بموريتانيا.

رئيس الرابطة، يربان ولد الخراشي، وصف العلاقة بين البلدين بأنها “قائمة على احترام متبادل وتضامن لا يتزعزع”، مؤكّدًا أن الصين لم تكن يومًا شريكًا طارئًا، بل حاضنًا لمشاريع تنموية غيّرت وجه البلاد منذ عقود. في المقابل، شدد السفير الصيني في موريتانيا، تانغ تشونغ دونغ، على أن “الصداقة الصينية–الموريتانية صمدت أمام كل التحولات الدولية”، داعيًا إلى بناء نموذج تنموي مشترك “يُحتذى به في التعاون جنوب–جنوب”.

مسار متعدد الأبعاد

منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1965، تطورت الشراكة بين موريتانيا والصين بعيدًا عن ضجيج الأضواء. نفذت بكين مجموعة من المشاريع الكبرى في موريتانيا، من أبرزها بناء “ميناء الصداقة” في نواكشوط، الذي شكّل رئة البلاد البحرية، إلى جانب استثمارات في الكهرباء، البنى التحتية، الصحة، والرياضة.

لكن التعاون تجاوز الجانب الاقتصادي إلى شراكة دبلوماسية هادئة اتسمت بعدم التدخل واحترام السيادة، وهي مقاربة تتعارض بوضوح مع نهج بعض القوى التقليدية في المنطقة. وعلى عكس النفوذ الفرنسي المتآكل أو الحضور الروسي الطارئ عبر وكلاء شبه عسكريين، تنتهج الصين سياسة “الاستدامة الصامتة”؛ حضور هادئ، تأثير متزايد.

إفريقيا: ساحة النفوذ الجديد

ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الساحل الإفريقي، حيث تتنافس موسكو وباريس وواشنطن على بسط النفوذ العسكري والسياسي، تحاول الصين أن ترسّخ حضورها من بوابة التنمية. يرى مراقبون أن بكين، التي استفادت من تراجع الدور الغربي في دول مثل مالي وبوركينافاسو، باتت تراهن على موريتانيا كحليف محوري في منطقة لا تزال بمنأى عن الانقلابات الأمنية والسياسية.

وتكتسب موريتانيا اليوم أهمية مضاعفة مع اقتراب موعد تصدير أول شحنات الغاز الطبيعي من مشروع “السلحفاة الكبرى” المشترك مع السنغال. ويعتقد خبراء أن الصين تسعى للعب دور رئيسي في البنية التحتية لهذا القطاع، سواء من خلال التمويل أو الخدمات اللوجستية.

سياسة الحياد النشط

ما يميز موريتانيا في خضم هذا الصراع الدولي، هو تبنيها لما يمكن تسميته بـ”الحياد النشط”: أي الانفتاح على الجميع دون الارتهان لأحد. ففي الوقت الذي تحافظ فيه نواكشوط على علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فإنها لم تغلق الباب أمام روسيا، بل وسعت تعاونها معها في المجال العسكري. ومع ذلك، فإن الشراكة الصينية تظل الأعمق من حيث الثقة والتراكم الزمني.

آفاق المستقبل

مع دخول الشراكة الموريتانية-الصينية عامها الحادي والستين، يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن تتحول هذه العلاقة إلى تحالف استراتيجي حقيقي في منطقة تزداد فيها الهشاشة؟

وفق تصريحات عدد من المسؤولين خلال الندوة الأخيرة، فإن موريتانيا تأمل في استقطاب المزيد من الاستثمارات الصينية في مجالات مثل التحول الرقمي، الطاقة المتجددة، والبنية التحتية الحضرية. وفي المقابل، تبدو بكين حريصة على ضمان ممر آمن لتجارتها ومصالحها في منطقة تزداد فيها المنافسة، وتخضع فيها المشاريع الكبرى لحسابات معقدة تتقاطع فيها السياسة مع الأمن والاقتصاد.

في عالم يزداد فيه الاستقطاب، تبدو العلاقة بين موريتانيا والصين نموذجًا نادرًا لشراكة متزنة وهادئة، بعيدة عن الشعارات ومليئة بالمنجزات. إنها علاقة تحترم الخصوصيات وتُراكم الثقة، وتُعيد تذكير العالم بأن بناء التحالفات في إفريقيا لا يحتاج إلى قواعد عسكرية أو تدخلات سياسية، بل إلى جسور من التعاون الحقيقي والمصالح المشتركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *