الضمير الاخباري : “تفكيك شبكة حبوب الهلوسة في موريتانيا: جهود أمنية وقضائية لحماية المجتمع”

 الضمير الاخباري : لم يكن أحد يتوقع أن أحياء نواكشوط الهادئة تخفي وراء جدرانها واحدة من أخطر الشبكات الإجرامية التي عرفتها موريتانيا في تاريخها الحديث. ففي لحظة فارقة، انقلبت الطمأنينة إلى قلق جماعي، حين أعلنت السلطات الأمنية عن ضبط كميات هائلة من حبوب الهلوسة والأدوية المزورة والعملات الأجنبية المزورة، في عملية نوعية نفذها قطاع الدرك الوطني، لتنكشف خيوط جريمة منظمة عابرة للحدود هزّت المجتمع وأشعلت الرأي العام.

بداية القصة: خيوط تتكشف من مطار نواكشوط

بدأت تفاصيل الملف تتكشف عندما اعترف عدد من الموقوفين بأنهم أدخلوا عشرات الآلاف من أكياس المؤثرات العقلية، مستغلين ثغرات في مطار نواكشوط الدولي، حيث تورط جمركي (لا يزال في حالة فرار) في تسهيل دخول الشحنات، بالإضافة إلى وسيط جمركي في ميناء نواكشوط. لم تكن هذه المواد تتجه فقط إلى السوق المحلي، بل امتدت إلى دول الجوار، ما منح القضية بُعداً إقليمياً ودولياً خطيراً.

وبحسب اعترافات المتهمين، فإن غالبية هذه الأدوية مصدرها الهند، وصلت عبر دبي، وبعضها من الصين، ما يعكس شبكة إمداد دولية معقدة. ورغم أن الدرك الوطني تمكن من مصادرة نحو خمسة آلاف كيس فقط، إلا أن الكميات المُباعة والمُسربة كانت أكبر بكثير، بحسب التحقيقات.

أبعاد دولية وشبكة متعددة الجنسيات

لم تقتصر الشبكة على الموريتانيين فقط؛ فقد ضمت أجانب من جنسيات هندية وسورية ولبنانية وجزائرية ومغربية وصحراوية. وخلال التحقيقات، تلقى الدرك عرضيْ رشوة ضخمين، أحدهما بقيمة سبعة ملايين أوقية قديمة، والثاني عشرة ملايين أوقية، في محاولة يائسة لعرقلة سير العدالة.

تفاصيل التحقيقات والإجراءات القضائية

قادت تحريات الدرك الوطني، بناءً على معلومات من الأمن الجزائري حول شاحنة محملة بمواد محظورة، إلى الكشف عن مخازن ضخمة في عرفات ودار النعيم. وأسفرت العملية عن ضبط أكثر من 1.9 مليون قرص وعبوة من المؤثرات العقلية، إلى جانب أكثر من مليون دولار مزور ومبالغ من اليورو والفرنك الإفريقي. كما تمت مصادرة شاحنة من نوع ATEGO ومبلغ يتجاوز 16 مليون أوقية قديمة.

أحالت النيابة العامة 32 متهماً إلى القضاء بتهم تكوين جمعية أشرار، والمساس بالأمن والصحة العامة، وحيازة وترويج مواد مخدرة وأدوية مزورة، وترويج عملات أجنبية مزورة. طلبت النيابة إصدار أوامر بحبس 29 متهماً احتياطياً، وأمر إحضار لمشتبه به، وأمري قبض ضد اثنين في حالة فرار.

وفي تطور قضائي بارز، قبلت غرفة الاتهام بمحكمة الاستئناف استئناف النيابة، وأحالت ستة متهمين إضافيين إلى السجن، بينما فرضت على 12 آخرين دفع كفالة بقيمة خمسة ملايين أوقية قديمة لكل منهم. بذلك ارتفع عدد الموقوفين في القضية إلى 17 شخصاً، فيما بقي 12 تحت المراقبة القضائية.

صدى اجتماعي وسياسي واسع

أثارت القضية اهتماماً غير مسبوق من الرأي العام، ودفعت ثماني منظمات مجتمع مدني لتشكيل إطار جمعوي للتوعية بمخاطر المخدرات، مطالبة بهبة وطنية لمحاربة هذه الظاهرة. كما دعا نواب وصحفيون وناشطون إلى كشف جميع خيوط الشبكة ومحاسبة المتورطين، محذرين من تكرار سيناريو الإهمال الذي رافق ملفات فساد وتهريب سابقة.

من جانبه، شدد الناطق باسم الحكومة على أن “السلطات العمومية لن تستثني أي ضالع” وأن جميع المتورطين سيخضعون للمساءلة القانونية، في رسالة طمأنة للرأي العام وتعزيز للثقة في مؤسسات الدولة.

تحديات مستقبلية ودروس مستفادة

ملف “حبوب الهلوسة” أعاد تسليط الضوء على خطورة الجريمة المنظمة وتهديداتها المتعددة الأبعاد، من الصحة العامة إلى الاقتصاد والأمن الوطني. كما أكد أهمية الشفافية والتواصل الرسمي، وضرورة تطوير منظومة الرقابة الجمركية والأمنية، وتكثيف التعاون الإقليمي والدولي.

ويبقى الرهان الأكبر على استكمال التحقيقات ومحاسبة جميع المتورطين، لضمان ألا يتحول هذا الملف، كسابقيه، إلى مجرد ذكرى في أرشيف القضايا الكبرى، بل إلى نقطة تحول في مسار مكافحة الجريمة المنظمة في موريتانيا.


المصادر:

  • وكالة الأخبار المستقلة

  • القدس العربي

  • بيانات النيابة العامة

  • تصريحات قادة الدرك الوطني

  • بيانات منظمات المجتمع المدني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *