تحقيق: عبدالرحمن احمدعالي موقع الضمير الاخباري
تعيش العاصمة الموريتانية نواكشوط هذه الأيام على وقع تحولات عمرانية كبرى، مع تدشين مشاريع بنية تحتية غير مسبوقة، يقودها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني ضمن رؤية إصلاحية تهدف إلى تحديث المدينة وتحسين جودة حياة سكانها. في هذا التحقيق، نسلط الضوء على مشروعين محوريين تم تدشينهما مؤخراً: جسر الصداقة الموريتانية الصينية ومشروع حركية نواكشوط للنقل الحضري، مستعرضين أبعادهما الفنية والاجتماعية، ومستعينين بآراء خبراء في المجال.
جسر الصداقة: شريان حضري جديد
في قلب العاصمة، تم افتتاح جسر الصداقة الموريتانية الصينية، وهو أكبر الجسور الحضرية في البلاد حتى الآن. يمتد الجسر بطول 270 متراً للطابق العلوي وبعرض 19.5 متراً، ويضم مسارات مخصصة للسيارات، والدراجات الهوائية، والمشاة، مع بنية تحتية متطورة تشمل إشارات مرور ذكية وقنوات تصريف مدمجة.
المهندس المدني د. أحمد ولد المختار يرى أن “الجسر يمثل نقلة نوعية في شبكة الطرق الحضرية، ليس فقط من حيث الحجم بل من حيث جودة التنفيذ، إذ يعتمد على أسس متينة وعمر افتراضي يصل لمائة عام، ما يعكس استدامة المشروع”. ويضيف: “وجود ممرات للدراجات والمشاة يعكس وعياً جديداً بأهمية النقل المستدام”.
من جهة أخرى، يشير الخبير في التخطيط الحضري محمد الأمين ولد عبد الله إلى أن “الجسر سيخفف بشكل كبير من الاختناقات المرورية التي ظلت تؤرق سكان نواكشوط، خاصة مع التوسع العمراني وزيادة عدد المركبات”.
مشروع حركية نواكشوط: ثورة في النقل الجماعي
إلى جانب الجسر، أطلقت الحكومة مشروع “حركية نواكشوط” الذي يهدف إلى تطوير النقل الجماعي من خلال إدخال حافلات سريعة وعالية الجودة، تعمل على خطوط مخصصة بطول 36 كلم في المرحلة الأولى، مع 41 محطة موزعة على المحاور الرئيسية.
الخبير في النقل الحضري د. سيدي محمد ولد الطالب يوضح أن “الانتقال من الاعتماد على السيارات الشخصية إلى وسائل النقل الجماعي هو خطوة ضرورية لأي مدينة تسعى للحداثة، فالحافلات الحديثة ستقلل الازدحام والتلوث، وتوفر بديلاً مريحاً وفعالاً للمواطنين”.
أما الناشطة المدنية فاطمة بنت الحسن فتؤكد أن “تحسين النقل الجماعي سيمنح الفئات الأقل دخلاً فرصة أفضل للتنقل والعمل، كما أن تنظيم سيارات الأجرة والدراجات ثلاثية العجلات سيعيد الانضباط إلى شوارع العاصمة”.
إشارات ذكية وإجراءات مصاحبة
من أبرز ما يميز هذه المشاريع إدخال تقنيات حديثة مثل الإشارات الضوئية الذكية التي تعطي أولوية للحافلات في التقاطعات، إلى جانب إجراءات تنظيمية شملت إعادة هيكلة خطوط سيارات الأجرة، وتحديد أوقات حركة الشاحنات، وتحرير الأرصفة من الاستغلال الفوضوي.
المهندس المعلوماتي الحسن ولد ابراهيم يرى أن “الاعتماد على الحلول الذكية في إدارة المرور سيحدث فارقاً كبيراً في انسيابية الحركة، ويقلل من الحوادث المرورية”.
تحديات وآفاق
ورغم الإشادة الواسعة بهذه المشاريع، يحذر بعض الخبراء من تحديات التنفيذ والصيانة. يقول د. أحمد ولد المختار: “الاستدامة تتطلب صيانة دورية وتدريب الكوادر المحلية على إدارة هذه المنشآت، وإلا ستتراجع فعاليتها مع الوقت”.
من جانب آخر، يشدد محمد الأمين ولد عبد الله على أهمية إشراك المواطنين في ثقافة النقل الجماعي، وتوفير حملات توعية لضمان نجاح المشروع.
تضع هذه المشاريع نواكشوط على أعتاب مرحلة جديدة، ترسخ مكانتها كعاصمة حديثة قادرة على مواكبة متطلبات العصر. وبينما يترقب المواطنون ثمار هذه الإنجازات، تبقى التحديات قائمة، ويظل نجاح التجربة مرهوناً بقدرة الدولة على استدامة الصيانة والتطوير، وإشراك المجتمع في تبني ثقافة النقل الحضري الحديث.
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل