
يختلف نسب الفرد عن نسب القبيلة ،والذين باختلافهما تختلف المصلحة التي يحميها القانون.
فنسب القبيلة هو رواية مات شهودها ما جعله يختلف عن نسب الفرد الذي لايثبت إلا بعقد له شهود ،وهذا العقد يحمي النسب الفردي حماية حكمية حتى ولو لم ينسجم النسب المذكور مع الناحية السلالية.
ونسب القبيلة يرجع في أصله إلى نسب الفرد،وهذا النسب الفردي إذا ثبت من الناحية الحكمية وانسجم مع الناحية السلالة فذلك هو وضعه الطبيعي،غير أنه قد يثت حكميا ولا ينسجم سلاليا ،وقد ينسجم أيضا من الناحية السلالية ولا يثبت حكميا.
وإذا لم يثبت النسب من الناحية الحكمية فلايسمى نسبا ولا يعترف به.
ومن هنا تكون رواية النسب القبلي تعتمد على الناحية الحكمية وليس على الناحية السلالية التي تنتقل معها الخصائص الوراثية.
والنسب لايمكن أن يتحول مخزنا للوزن السياسي بين البشر مالم تتوفر إرادة رسمية لذلك ،وإلا بقي وسيلة للتعارف فقط.
وفي المجتمع الموريتاني التقليدي كان النسب أساس كل تجمع سياسي ،وكانت تراتبية النسب بمثابة الدستور الذي ينظم الوظائف والحقوق والإمتيازات.
فهل النسب الذي تدعيه كل قبيلة موريتانية صار نسبا رسميا تحميه الدولة وتمنح الحقوق على أساسه ،ما يمنع التشكيك فيه،أم يوجد تفصيل في ذلك ؟
أم أن التعريض بالنسب الحكمي الذي تدعيه كل قبيلة يمثل قذفا يستوجب تطبيق الحد على من يشكك ،تماما كما يطبق الحد على كل من عرض بنسب فرد مسلم ؟
ومادام حد القذف المقنن في القانون الجنائي الموريتاني لم يتضمن وصف التشكيك في شرف بعض القبائل الموريتانية ضمن الأوصاف الجنائية المقننة فيه ،والدستور يقول (لا جريمة ولاعقوبة إلا بنص).
ومادامت المحكمة التي حكمت بإدانة من شكك مؤخرا في شرف بعض القبائل الموريتانية لم تكيف هي الأخرى الواقعة على أنها قذف يستوجب الحد ،وإنما كيفتها تكييفا آخر !!.
فهل تعني رواية انتساب القبيلة إلى (الشرف) أن لها حق مكتسب في ذلك ومصلحة يحميها القانون ، وأن تلك المصلحة تترتب عليها حقوق جماعية أو فردية ؟
وهل الدولة الموريتانية تراجعت عن موقفها المعلن والرافض للاعتراف بالشخصية المعنوية للقبيلة ،تلك الشخصية التي من دونها لا يمكن للقبيلة التعبير الجماعي عن نفسها ولا التقاضي باسمها ولا حتى عقد اجتماع مأذون ؟
في السابق كان التخوف من توزيع الحقوق والإمتيازات على أساس النسب يؤدي بالبعض على التعلق بغصن من شجرة عريقة تضمن له مركزا مهما ومستمرا بين طبقات المجتمع ،وهذا التخوف نفسه هو ما يحمل البعض الآخر في هذا الزمان على التعبير عن تخوفه من عودة تلك الطريقة التي ظلمت الشريحة التي كان ينتمي إليها.
الفئة الأخيرة بينها من يسعى إلى محاكمة النظام الاجتماعي البائد باعتباره لا يزال قائما ومتحكما !!
فالتأويل المنطقي الوحيد لبعض المواقف المتطرفة الصادرة عن بعض السياسين لايمكن إلا أن يكون بسبب تخوفهم من عودة نظام تقسيم الحقوق على أساس النسب كما ذكرنا سلفا،بينما السياسي القبلي العظامي يرى في عودة هذا النظام فردوسه المفقود !!
وبما أن الدولة الموريتانية التي تعترف بالعائلة ولا تعترف بالقبيلة ولا تمنح القبيلة الشخصية المعنوية ،وتمنع في نفس الوقت الاجتمعات القبلية.
وبما أن النزعة القبلية مستفحلة في البلاد ومثلها في ذلك النزعة الشرائحية،ماجعل كل قبيلة وكل شريحة تسعى إلى الابتزاز وركوب كل سبب الشيئ الذي يضع الدولة في ورطة لاحدود لها.
وبما أن العقوبة تكون على مقاس الجريمة ،فإن أسباب الحكم الصادر ضد الشخص الذي أساء إلى بعض القبائل بالطعن في شرفها يكون حكما ضعيف الأساس إذا كان يعتمد رواية ومراجع تاريخية ويعتمد المتهم رواية ومراجع أخرى !!
وفي الأيام الماضية اتصل علي صديق يسمى (اديا داوودا موسى) ابروفوسور في التاريخ القديم ينتمي إلى الفولان الموريتانيين ويدرس حاليا بجامعة الييج البلجيكية ،وقال أن مايقوله هذا الشخص يوجد مسطورا في بعض المراجع، وقد دون هذا الأستاذ عن هذا الموضوع وكلامه يوجد على صفحته على الفيسبوك.
وعليه فإن وضعا كهذا من شأنه أن يضعنا في حالة الشك التي تفسر لمصلحة المتهم.
وأخيرا وبالعودة إلى الوجه السياسية للحدث فإن وجهاء القبائل ركبوا كل سبب على مر التاريخ إلى حد إدراجهم للتعليم و البركة في دائرة التوظيف السياسي ،وكانت المصالح المادية والسياسية الآنية هي وقود الحروب التي لم توقفها وحدة الدين والمذهب ،فهل يستحيل في حق البيظان بعد هذا توظيف النسب لأغراض دعائية ؟.
والله أعلم
المحامي محمد سدينا ولد الشيخ
الضمير موقع إخباري موريتاني مستقل