ماهي الأسباب التي جعلت ابروكسل مكانا متميزا للتعاطي مع أوروبا والعالم الغربي؟. عنون مقال للدكتور مدير المكتب الإعلامي للرئاسة الجمهورية الموريتانية

استقبلنا رذاذا خفيفا بينما كانت الطائرة الرئاسية تحط بنا على أرضية مطار ابروكسل عصر يوم غائم.. ثم خرج الموكب في اتجاه مقر الإقامة بفندق Sofitel أوروبا في ميدان جوردان. الموقع متميز في قلب المنطقة الأوروبية من ابروكسل، بين مقر البرلمان الأوروبي ومقر المفوضية الأوروبية، وعلى بعد خطوات قليلة من حديقة Parc du Cinquantenaire الشهيرة، والعديد من المتاحف الكبرى مثل متحف الجيش، ومتحف السيارات، ومتحف الطيران، والمتاحف الملكية للفنون والتاريخ.

 

ولعل مجرد اختيار موقع الإقامة يشي بطبيعة الزيارة التي يقوم بها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى ابروكسل عاصمة أوروبا، للمشاركة في أشغال منتدى البوابة العالمية التي هي بمثابة الطبعة الأوروبية من المبادرة الصينية المعروفة بالحزام والطريق..

 

لكن، ما الذي يجعل ابروكسل مكانا متميزا للتعاطي مع أوروبا والعالم الغربي؟ ماذا عن تاريخها الحديث والقديم؟ وكيف استطاعت البلدة الصغيرة التي نشأت في القرون الوسطى حول قلعة أقامها تشارلز ملك فرنسا، على جزيرة صغيرة مليئة بالأهوار في نهر السين، عرفت آنذاك باسم Brosella، أن تصبح العاصمة الثلاثية لكل من بلجيكا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو؟

 

تاريخ ابروكسل طويل ومتشعب ومتوتر.. تخللته الكثير من الاضطرابات والثورات والحروب والمآسي قبل أن تصل المدينة إلى ما هي عليه اليوم من ازدهار وهدوء ودعة..

لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر قبل أن تصبح ابروكسل ايقونة مدائن اوروبا، والعاصمة العالمية للنبيذ، التي تشتهر برقائق البطاطا المقلية وانتشار مكاتب مجموعات الصغط أو اللوبيات.

 

إنها قصة مليئة بالأحداث والمغامرات والمآسي.. لكنها اليوم تمثل قصة نجاح حقيقي لمدينة مكافحة، صبورة وحالمة، وتحمل على عاتقها أحلام كل الأوروبيين وطموحاتهم بلا حدود .

 

في القرون الوسطى، تطورت المدينة بفضل صناعة الملابس، وحكمتها البرجوازية التجارية من خلال ممارسة نفوذها على الجزء “السفلي” من المدينة، بينما سيطر اللوردات وممثلوهم على الجزء “العلوي” منها. لكن الاضطرابات المجتمعية لم تهدأ في المدينة التي عرفت ثورات عديدة منذ القرن الثالث عشر، عندما تحدت نقابات الحرفيين السلطة البرجوازية واستولت على المدينة لبضع سنوات. تراجعت صناعة الأقمشة ثم تحول النشاط إلى صناعة النسيج.

 

تداولت العائلات الملكية الأوروبية الكبرى خلال عدة قرون، النفوذ والحكم في ابروكسل بدء من دوقات بورغينيون إلى الهابسبورغ مثل فيليب الجريء، و يوحنا الشجاع، وفيليب الطيب، وتشارلز الباسل. تماما كما تنازع على حكمها كل من النمساويين و الهولنديين و الفرنسيين. وأخذ كل منهم دوره عند الحلاق..

 

سمح التمرد الاجتماعي لتحالف طبقات الحرف بفرض تقاسم السلطة مع الأمراء. لكن ما فتئ أن دخلت البلاد من جديد مرحلة من التقهقر والانحطاط بسب الصراع على السلطة بين أمراء العائلات الملكية الأوروبية بدء من ماكسميليان النمساوي إلى تشارلز الخامس الذي حكم إسبانيا وهولندا، وسرعان ما انتخب إمبراطورًا جرمانيًا، خلفه ابنه فيليب الثاني بعد أن تنازل له عام 1555 عن العرش.

 

لكن ابروكسل ستعيش المزيد من الأوقات العصيبة حيث افتتح عهد فيليب الثاني بفترة مضطربة، في سياق الحروب الدينية بين البرواستانت والكاتوليك استمرت قرابة قرنين من الزمان، عرفت المدينة خلالها صنوفا من الاضطهاد والقهر والاقتتال والمعاناة، خاصة مع تعاظم نفوذ محاكم التفتيش التي خلد الرسام “بروجل” الكثير من فظاعاتها في العديد من لوحاته ورسومه.

 

بعد معاهدة “أوترخت” في عام 1713، أصبحت ابروكسل مدينة نمساوية، لكنها ظلت تحت حكم عائلة الهابسبورغ. كما هو الحال في زمن الإسبان. أعاد تشارلز لورين، عاهل هولندا (1744-1780)، بعض البريق إلى ابروكسل من خلال تزيينها بالعديد من المعالم الكلاسيكية ذات الإلهام الفرنسي. كما شهد ظهور جوزيف الثاني، ذلك الملك المستبد المستنير، في النمسا، إعادة تنظيم مناحي العدالة والتجارة والصناعة في ابروكسل. وكان عهده بمثابة فترة انتقالية أدت إلى نهاية النظام القديم.

 

ومع نهاية القرن الثامن عشر، انتقلت السيطرة على ابروكسل إلى فرنسا وتعاظم فيها الوجود الفرنسي فتفرنست المدينة. وقد ساهمت تداعيات الثورة الفرنسية آنذاك في التعجيل بنهاية الامتيازات وولادة حقوق الإنسان وظهور مفهوم المواطن في ابروكسل. وهي نفس الفترة التي تم فيها وضع أسس الثورة الصناعية لتصبح بلجيكا القوة الاقتصادية الثانية في القارة مع نهاية القرن التاسع عشر.

 

وقد قادت التطورات السياسية والعسكرية في تلك الفترة إلى بزوغ نجم ابروكسل كعاصمة للدولة الجديدة، ففي عام 1830، بسبب رفض المذهب الكالفيني والثقافة الهولندية، وأيضًا بسبب التمييز الذي عانى منه كثير من البلجيكيين، وخسارة السوق الفرنسية أمام الصناعيين الليبراليين، ثار الشعب ضد الهولنديين ضمن سيناريو مستوحى من الثورة الفرنسية التي بدأ تأثيرها قويا في ابروكسل وانتشر بسرعة إلى المقاطعات الأخرى.

 

حصلت بلجيكا على استقلالها بعد مؤتمر القوى الأوروبية المجتمعة في لندن. وأصبحت مدينة ابروكسل عاصمة الدولة الجديدة التي اختارت نموذج الملكية البرلمانية.

 

أدى ليوبولد اليمين الدستورية ملكا على بلجيكا عام 1831. هدأت الاضطرابات، وتنفست ابروكسل الصعداء..

ومع تطور التصنيع، ظهرت في ابروكسل أحياء جديدة، وتم تنفيذ أعمال إنشاءات ضخمة. كما تأسست جامعة ابروكسل الحرة تحت تأثير المحافل الماسونية. وشهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في عهد “ليوبولد الأول” و”ليوبولد الثاني”، بناء محطات لشبكة السكك الحديدية الكثيفة التي ربطت بين جميع نواحي البلاد.كما عرفت ابروكسل في تلك الحقبة تحولًا عمرانيا كبيرًا تمثل في إقامة شبكات توزيع مياه الشرب على نطاق واسع، والصرف الصحي الحديث، وبناء صالات عرض سانت هوبرت (1846)، وقباب نهر السين (1865)، وبناء المحكمة (1866- 1883) وإنشاء حديقة الخمسينية (1880) الشهيرة تخليدا للذكرى الخمسين لاستقلال بلجيكا.

 

وقد خضعت الأحياء الجديدة لتخطيط المدن المبتكرة. مع المعماري فيكتور هورتا وأتباعه. وتم بناء مساكن رائعة على طراز فن “الآرت نوفو” في مطلع القرن العشرين. ثم شهدت ابروكسل انتعاشا ثقافيًا كبيرًا، فتشكلت الحركات الثقافية و الفنية وازدهرت واتسعت فعالياتها وتأثيرها. وتبع ذلك استضافة ابروكسل لثلاث معارض عالمية في سنوات 1897، 1910، 1935، أشادت بتقدم الفنون والصناعة، وجعلت المدينة نقطة التقاء لرؤوس الأموال والأفكار.

وفي ذلك السياق تم تشييد المعلمة الذرية أو الأتوميوم عام 1958 تخليدا للمعرض العالمي الجديد المنظم في تلك السنة في ابروكسل.

 

لكن معاناة ابروكسل لم تنته بعد حتى خلال الفترة المعاصرة ، فقد تم احتلال المدينة خلال الحربين العالميتين. غير أن ابروكسل استطاعت أن تخرج سالمة من الحرب وإن بعد صدمة كبيرة. ولعل ذلك هو ما حدا بها إلى أن اتخذت لنفسها طريقا إلى الحداثة و التطور متأثرا بالنموذج الأمريكي.

 

وإلى جانب التحول العميق في نسيجها الحضري، شهدت مدينة ابروكسل تغييرا عميقا في نمط حكامتها والتعاطي مع أمور الحكم والسلطة فيها بشكل تطبعه المرونة والبحث عن التوازنات الدقيقة، وذلك بسبب تحول البلاد التدريجي نحو النظام الفيدرالي. فقد حاولت بلجيكا دائما تسيير تنوعها الثقافي عبر الرد على التوترات بين المجتمعات الفلمنكية وتلك الناطقة بالفرنسية من خلال النموذج الفيدرالي، حيث يوجد في بلجيكا حاليا 6 برلمانات تمثل المجتمعات الثلاث و الأقاليم الثلاث المكونة للدولة، باعتبارها كيانات متميزة عن بعضها البعض.

 

وضمن هذا السياق، تم إنشاء منطقة العاصمة ابروكسل عام 1989، التي ينتخب سكانها 89 ممثلًا عنهم في البرلمان الإقليمي، موزعي وفقًا لمفتاح لغوي تم التفاوض عليه بصعوبة، وهو مكون من 72 متحدثًا بالفرنسية و17 متحدثًا بالهولنديًة. وتتولى السلطة التنفيذية حكومة إقليمية مكونة من 5 وزراء، و 3 وزراء دولة إقليميين.

وبالتوازي مع إنشاء المناطق الجغرافية الثلاث (العاصمة بروكسل، وفلاندرز، و والونيا)، تم أيضا إنشاء مجتمعات لغوية ناطقة بالفرنسية، بالهولندية، وبالألمانية. ولكن بطبيعة الحال، لا تتطابق الحدود بين المناطق الإدارية والمجتمعات اللغوية. وهو أمر مقصود للإبقاء على وحدة الدولة ذاتها.
أما اليوم، فإن ابروكسل مدينة عملاقة بلا أدنى شك، وهي ذات كثافة سياسية معقدة، و يسكنها البحث عن التوازن الدقيق والتوافق الضروري لضمان استمرار المساكنة والتعايش والتطور. وهو ما يذكر دائما بالماضي المعقد والمضطرب للمدينة.
وهكذا، فابروكسل هي في ذات الوقت ثلاثية الأبعاد. فهي عاصمة البلاد بأكملها ولكنها أيضًا عاصمة اقليم فلاندرز، كما أنها منطقة إدارية مستقلة بذاتها.

ولتكتمل الصورة، يوجد في ابروكسل أيضًا المقر الرئيسي لحلف شمال الأطلسي والمفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي (اللجان البرلمانية). حيث يجمع الاتحاد الأوروبي مؤسساته في حي واحد مهيب، تم بناؤه من الصفر إرضاء لغرور وكبرياء هذا الكيان العملاق الذي يوحد الأوروبيين رغم تاريخهم المليئ بالصراعات والدماء والمآسي.. إنه الإتحاد الأوروبي الذي طالما دغدغ أحلام وطموح نخب ومفكرين غربيين كثيرين لإن كان أولهم هو جان مونيه ، مرورا ب جاك دي لور، فلن يكون بالطبع، آخرهم جوزيب بوريل..
وبينما كان الموكب يمر من أمام مقر الاتحاد الأوروبي، عادت بي الذكريات إلى ربع قرن قد مضى. إلى تلك المحاضرات التي كانت تقدم لنا هنا في ابروكسل طيلة أيام تارة أو أسابيع تارة أخرى، على شكل ورشات داخل مقر للاتحاد الأوروبي القديم ونحن آنذاك طلاب بالمعهد الدولي للإدارة العمومية، قادمون من باريس . كنا نكتشف في دهشة الهيكلة الادارية للاتحاد الأوروبي، وقوانينه ونظمه وقواعد اشتعال مؤسساته المختلفة ونتعلم أشياء كثيرة عن رؤيته وأسس سياساته القطاعية “المشتركة” politiques sectorielles communes..

ذلك الاتحاد الذي بدأ مساره في الخمسينيات بتواضع وواقعية من مجرد “اتحاد أوروبي للفحم والصلب” إلى ان وصل في السنوات الأخيرة إلى اتحاد يشمل القرار السياسي الموحد في مجالات الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية، مرورا بالإتحاد في مجالات الإقتصاد والتجارة والتنمية المستدامة..
لكن لا وقت للذكريات، البرنامج مشحون والمشاغل كثيرة، ولن أجد وقتا – كما في السابق- للتجوال في ابروكسل بدءًا من ميدان Grand-Place، القلب النابض لبروكسل الذي يحيط به حوالي أربعين مبنى على الطراز الكلاسيكي الجديد،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.