الجزائر إلى أين؟.. المتغيرات الداخلية والخارجية

المقدمة

احتفت الكتابات عن ظاهرة الحراك الجزائري عند حدود الإطاحة ببعض رموز النظام السابق، ثم لم تلبث الدولة الجزائرية العميقة أن تمكنت من إعادة إنتاج نفسها، لتأتي بأحد أبنائها عبدالمجيد تبون، الذي لم يذق من قبل مذاق الانتخابات وما تحتاجه من نضالية وما تقتضيه من تكلفة.

وجد الحراك نفسه تحت وطأة مجموعة من المتغيرات أفضت به أسيرا بين يدي موظف بدرجة وال أو وزير ترقى لرتبة رئيس جمهورية، اعتاد في ممارسته للسياسة على نهج الإنصات المرهف للتوجيهات الآتية من سماء النخب المهيمنة التي تحكم من وراء ستار.

عدة متغيرات وسمت الحراك الجزائري بسمات عديدة، قادته لهذا الموقع التاريخي الراهن. ما هي هذه المتغيرات؟ وما هي السمات التي ألقتها على الحراك؟ هذان السؤالان هما ما تحاول هذه الدراسة الإجابة عليهما.

أولا: المتغيرات الخارجية

لم يولد الحراك الجزائري في فراغ، بل حكمته بيئة مركبة، بعدها الأول خارجي يتمثل في المتغير الفرنسي الذي تحكمه حيال الجزائر وحراكها عدة اعتبارات جيوسياسية وتاريخية ومصلحية، علاوة على الوضع الإقليمي المعقد بتصارع محوريه الأساسيين: “محور الثورة المضادة” و”محور الخيار الشعبي”. هذا القسم من الدراسة يتناول هذين المتغيرين.

أ. فرنسا

تعد فرنسا ثاني أهم الشركاء التجاريين للجزائر، حيث تأتي كثاني مستقبل للصادرات الجزائرية (13%) بعد إيطاليا (16%)، فيما تعد فرنسا ثاني أكبر مصدر للجزائر (10%) بعد الصين (18.8%)[1].

من جهة الاستثمارات، ومع عدم وجود بيانات يمكن استقاؤها من مصادر حكومية شفافة، فإن أحد أهم المؤشرات على موقع فرنسا الاستثماري في الجزائر يتمثل فيما نشره موقع “ستاندر تريد” الأميركي أن الجزائر جذبت في عام 2017 استثمارات أجنبية مباشرة بلغت 1.232 مليار دولار، من بينها 24.8% استثمارات صينية، و22% سنغافورية، و17.9% إسبانية، و16.2% تركية، و2.7% ألمانية، و2.4% استثمارات من جنوب إفريقيا، و2.3% استثمارات فرنسية[2].

غير أن طبيعة الإغراء الجزائري بالنسبة لفرنسا تتجاوز هذه الأرقام، حيث تعد الجزائر التي تملك عاشر أكبر إقليم (مساحة) على مستوى العالم، تعد العاشرة عالميا أيضا فيما يتعلق باحتياطي الغاز الطبيعي، كما تعد العاشرة عالميا في احتياطي النفط (12 مليار برميل)، والثالثة عالميا في احتياطي الغاز الصخري (20 تريليون قدم مكعب). كما أن عملاق الطاقة الجزائري “سوناطراك” تتمتع بنفوذ على المستوى الدولي[3].

من جهة أخرى، فإن تعداد سكان الجزائر يبلغ نحو 42 مليون نسمة، منهم 45% تحت سن 15 عاما، مع أزمة بطالة مزمنة، وهو ما يجعلها مصدر قلق لدول أوروبا. ووفقا لنمط التنمية والنشاط الاقتصادي في الجزائر، فإن 90% من عوائد الصادرات مصدرها قطاع الطاقة، ما يجعل الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي معتمدا بصورة رئيسية على “أسعار النفط”.

من جهة ثالثة، فإن خبرة العشرية الجزائرية السوداء تثير المخاوف الأوروبية، خاصة وأن جارتها اللصيقة ليبيا، تمر بهذه الحالة اليوم، بصرف النظر عن طبيعة الأصابع التي تعبث بالوضع الليبي، وتسبب عدم استقرار هذا البلد، لكن مخاوف أكبر تثور في حال بدا أن الجزائر تتجه لمثل هذا السيناريو.

ملامح هذه الصورة التي أسلفناها شديدة الوطأة على الاتحاد الأوروبي الذي يعاني حالة هشاشة واضحة تجلت مع إصرار المملكة المتحدة على الخروج من هذا الاتحاد، ومن ثم، فإن الاتحاد الأوروبي بشكل عام، وفرنسا بشكل خاص، ينظران بقدر من التخوف لما يحدث في الجزائر.

موجة هجرة محدودة من جنوب المتوسط قد تتسبب في مزيد من الصدوع بين دول الاتحاد الأوروبي، وتعطي دفعة أخرى لقوى اليمين المتطرف، هذا فضلا عن التخوفات من أن تؤدي عودة الإسلاميين لصدارة المشهد السياسي إلى تطبيق “نظرية الدومينو” في حلتها الإسلامية في كل دول شمال إفريقيا، ما تعتبره دول أوروبا تهديدا[4].

هذا فضلا عن أن المراقبين على غير يقين من احتمالات تأثير تطورات الوضع في الجزائر على نحو 4 ملايين جزائري موجودون في فرنسا بين مزدوج الجنسية ومقيم (يبلغ المقيمون 700 ألف جزائري[5])، والتي تعد أكبر تجمع إسلامي في فرنسا، هذا فضلا عن الجيل الثاني من الكولونياليين الفرنسيين الذين استوطنوا الجزائر قبل أن يضطروا لتركها عائدين لفرنسا بعد الثورة، ويقدر عددهم بنحو مليون شخص[6]. ومما يثير هذه القضية ما شهدته عدة مدن فرنسية من أحداث شغب واسعة خلال احتفالات أعقبت تأهل منتخب الجزائر لنصف نهائي كأس الأمم الإفريقية[7].

علاوة على ما سبق، يميل مراقبون لمقاربة القضية اعتمادا على علم نفس السياسة، حيث يميلون لإخضاع القضية الجزائرية لمقارنة بين وضع المملكة المتحدة في علاقتها بأيرلندا، والولايات المتحدة في علاقتها بفييتنام، ويميلون لمعالجة القضية وفق الثقافة الأوروبية التي تربط بين فرنسا والجزائر برباط قريب من ارتباط المملكة المتحدة بأيرلندا بالنظر لعمق ارتباط فرنسا بالجزائر، التي كانت أقاليمها الثلاثة جزءا من الإقليم الفرنسي، وارتبطت في التاريخ الفرنسي بأحداث تاريخية فرنسية كبرى من قبيل أحداث سقوط أسرة البوربون في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، والمعارضة التي واجهتها الإمبراطورية الفرنسية الثانية، واحتجاجات 1871، وتيار معاداة السامية المرتبط بـ”قضية درايفوس”، والصدام بين حكومة فيشي وحكومة فرنسا الحرة، وسقوط الجمهورية الرابعة ونشوء الجمهورية الخامسة، وأحداث ومجازر أبريل/نيسان وأكتوبر/تشرين الأول 1961، هذا الرباط جعل الفرنسيين لا يتجاوزون صدمة العلاقة مع الجزائر على نحو ما تجاوز به الأميركيون الصدمة مع فييتنام، وهو ما يدفع مراقبين لتصور وجود ترتيبات لدى أجهزة المخابرات العامة والحربية الفرنسية، برغم انشغالات ماكرون بانقسامات المجتمع الفرنسي واحتجاجات السترات الصفراء[8]، ورغم وجود حالة من حالات تمدد الرفض الجزائري لوجود أي نفوذ فرنسي في الجزائر[9].

ب. تنافسات المحاور الإقليمية

1. المحور الإماراتي السعودي: لم يكد اللواء الأول سعيد شنقريحة يتولى رئاسة أركان الجيش الجزائري في 23 ديسمبر/كانون الأول 2019، عقب وفاة رئيس الأركان الأسبق أحمد قايد صالح، حتى أقدم على زيارة دولة الإمارات العربية المتحدة، في 22 فبراير/شباط 2020، في زيارة رسمية بدعوة من نظيره الإماراتي لزيارة معرض “يومكس” (للأنظمة غير المأهولة) وكذا معرض “سيمتكس” لأنظمة المحاكاة والتدريب العسكري، الذين نظمتهما “أبوظبي” خلال الفترة من 23 إلى 25 فبراير/شباط الماضي[10].

العلاقات العسكرية الجزائرية الإماراتية علاقة من نوع خاص، حيث حصلت الإمارات على عقود عدة لتزويد الجيش الوطني الشعبي بأسلحة متطورة، ولكونها لا تصنع السلاح بنفسها، تعمل الإمارات في هذا الإطار في مجال السمسرة في صفقات السلاح، حيث تشتري الجزائر من الإمارات أسلحة صنعتها دول أخرى.

كانت أبرز العقود في هذا الصدد صفقة سفينتين حربيتين من نوع “ميكو” من المصنع الألماني “تي.كا.أم .أس”، والتي تفاوضت عليها المستشارة أنجيلا ميركل لنفسها مع الرئيس الجزائري المخلوع بوتفليقة، بقيمة 2.2 مليار يورو، وهي الصفقة التي اشترتها شركة “أبوظبي مار” الإماراتية، وقامت بعد ذلك ببيعها للجزائر.

خلال هذه الفترة، كانت الإمارات تتفاوض على الدخول بنسبة في رأس مال الشركة الألمانية، وهي رؤية هدفها التحكّم في صفقات السلاح التي تعقدها شركة السلاح مع الدول العربية، لتصبح أبوظبي لاعبا أساسيا في عملية التسلح في المنطقة. ومن جهة أخرى، توسطت الإمارات في مشروع تعاون بين الجيش الوطني الجزائري ومجموعة “مرسيدس بينز” الألمانية لإنتاج العربة المصفحة “نمر”.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة ربما تفسر العلاقة القوية بين الرئيس الجزائري المخلوع عبدالعزيز بوتفليقة ورئيس أركانه قايد صالح ونظام الإمارات خلال عهد بوتفليقة وما بعده[11].

ويتناول بعض المراقبين هذا التوجه التعاوني في إطار ترابط فساد النخب السياسية بين البلدين، ويرون أن أبرز فوائد هذا النظام في المعاملات يتمثل في توفير تغطية لنظام العمولات وتضخيم الفواتير، وتقديم الرشاوى مقابل الحصول على امتيازات، وهي القضايا التي لا يتحملها النظام التشريعي الألماني، وقبلت الإمارات القيام بها[12].

العلاقة بين النظامين ترجع لبدايات عهد بوتفليقة، حين استقبلت أبوظبي الرئيس الجديد، ومكنته من تخطي المصاعب المالية التي مر بها عبر فترات مختلفة من ولاياته الأربع، برغم حرصه على توازن علاقاته مع كل دول الخليج.

العلاقات المالية بين الطرفين سارت أحيانا في اتجاهين، فمع أزمة دبي 2008، قامت شركة “سوناطراك” النفطية الجزائرية بإنشاء بنك في دبي، وضخت فيه ملياري دولار، فيما وصفه مراقبون بأنه مساعدة جزائرية للإمارات[13]. وفي نفس الإطار، لكن على صعيد ما أسلفنا الإشارة إليه فيما يتعلق بدعم فساد النخب البينية بين الجزائر وأبوظبي، فإن البنوك الإماراتية تعد موئلا لثروات أثرياء الجزائر[14]، ومن بينهم ثروات عائلة بوتفليقة نفسه، ومن أهم دلائل ذلك رجل الأعمال الجزائري علي حداد، الذي يوصف بأنه “حصالة” ثروة عائلة بوتفليقة[15].

يرتبط بهذه المتغيرات تأكيد عدد من المراقبين سعي الإمارات لتشكيل نظام جزائري على شاكلة نظام السيسي في مصر[16]. وتجمع الإمارات بالسعودية توجهات متماثلة حيال هذه القضية، وترتبط باتجاه نظامي البلدين، ليس فقط لتشديد قبضتيهما على دولتيهما خلال فترة الربيع العربي وما بعده، بل لإعادة ضبط المنطقة ككل، لئلا تشهد ملامح ربيع آخر. غير أن انفراد الإمارات بإدارة التحولات في الجزائر يرجع لوجود حساسية شعبية مضادة لتدخلات محمد بن سلمان الذي سبق أن خرج الجزائريون محتجين على زيارته للجزائر[17].

غير أنه من المهم الإشارة لوجود حالة وعي شعبي عالية بمخاطر دول هذا المحور، ومع سبق ذكر التظاهرات ضد وجود ولي العهد السعودي في الجزائر، فإن وكالات الأنباء تشير لتأكيد دائم للحراك على رفض أي تدخل إماراتي في شؤون الجزائر[18]، ويبقى هذا الوعي الشعبي بحاجة للترجمة لإجراءات تواجه علاقات هيكلية عميقة لا يمكن مواجهتها بتنديد أو رفض شفهي.

2. محور الخيار الشعبي: رغم أن المحور التركي – القطري معروف بتوجهه لدعم إرادات الشعوب العربية التي مرت بتجربة الربيع العربي، وهو دعم يرتبط بمصالحها بقدر ما يرتبط بنموذج القيم السياسية، خاصة في تركيا، التي تمثل فيها التجربة الإسلامية التقدمية، والسياسة الخارجية المستقلة، مصادر إلهام إقليمية، ترتفع بين أصحاب التوجهات القومية بصورة خاصة، بالرغم من هذا، فإن دور هذا المحور لا علاقة له بما يحدث في الجزائر من حراك، ومن ثم، لا يمكن اعتبار التطورات المرتبطة به دالا في تغير وجهة الحراك الجزائري.

يبدو هذا التوجه واضحا من خلال الزيارات التي قام بها كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان[19] والأمير القطري تميم بن حمد آل ثان[20] للجزائر، حيث التقيا فيها بالرئيس الجزائري المنتخب رغم أنف الحراك عبدالمجيد تبون.

وتبدو القضية الأساسية التي تهم “محور الخيار الشعبي”، القضية الليبية، قضية أبدى فيها الجناح المغاربي من العالم العربي، ومن ضمنه الجزائر، ظاهريا، موقف الحياد الرافض للتدخل المغاربي في المسرح الليبي، وهو الموقف الذي أبدى “محور الخيار الشعبي” فيه تفهما للمبدأية المغاربية التي ترفض تدخل قواتها خارج حدودها[21]. وإن كان مراقبون يرون في الموقف الجزائري المتمثل في الوديعة الجزائرية لتونس محاولة لجر تونس لمسار يرعاه محور الثورة المضادة لمحاصرة “اتفاق الصخيرات” وتداعياته[22].

غير أن الزيارات التي قام بها كل من رئيس تركيا وأمير قطر إلى الجزائر، وعدد آخر من الأقطار، تشير إلى أن المواجهة بين المحورين أكبر من أن تترك الدولتان المغرب العربي نهبة للنفوذ الإماراتي – السعودي، وهو أمر يصب في مصالح دول المغرب العربي، ومن بينها الجزائر.

فعلى الرغم من شح الزيارات المتبادلة بين الجزائر وقطر، تجمع  البلدين استثمارات مشتركة ضخمة أبرزها “الشركة الجزائرية القطرية للصلب”، التي شيدت مجمعا ضخما للصلب في منطقة “بلارة” بولاية “جيجل” شرقي الجزائر العاصمة، بتكلفة استثمارية بلغت حوالي ملياري دولار. ويبدو الأمر من طرف قطر مفتتحا لمزيد تعاون كفيل بتحفيز أمرين، أولهما تبيان نفعية ومردود سياسة الحياد الإيجابي المغاربي تجاه الشأن الليبي، وثانيهما تحفيز السياسة المتوازنة التي ينهجها الجزائر تجاه صراع المحاور الإقليمية بالعوائد التي تعود جراء هكذا توازن.

ثانيا: المتغيرات الداخلية

الظاهرة السياسية بشرية، ووفقا لعلم نفس السياسة، فإن وقائع السياسة موضوع لتأثير كل ما يحرك النفس الإنسانية، بما في ذلك العقد والعواطف ثورات كل من التوقعات والإحباطات. هذا القسم من الدراسة يتناول المتغيرات الداخلية التي أثرت في الحراك الجزائري ودفعته في اتجاهات أفضت به إلى وضعيته التاريخية الراهنة.

أ. تأثير التاريخ القريب

لا يمكن تقديم مقاربة منهجية ناجعة من قضية الحراك الجزائري من دون تأمل خبرة “الحرب الأهلية الجزائرية” أو “العشرية الجزائرية السوداء”، التي اندلعت في 11 يناير/كانون الثاني 1992، في أعقاب إلغاء القوات المسلحة الجزائرية التي أجريت في 26 ديسمبر/كانون الأول 1991، والتي فازت جبهة الإنقاذ الإسلامية فيها بأغلبية مقاعد البرلمان، وهي حرب أهلية استمرت 10 سنوات، أريقت خلالها دماء زهاء 200 ألف جزائري.

الإصلاحات التي انتهت بإجراء انتخابات ديسمبر/كانون الأول البرلمانية كانت حصادا لحراك جزائري بدأ عبر مسارات عدة كان من بينها منع خطبة للناشط والأستاذ القبائلي مولود معمري في جامعة حسناوة بمدينة “تيزي وزو” في 10 مارس 1980، ما مثل شرارة تشكيل حملة منظمة من الطلاب والأطباء والناشطين الأمازيغ أدت إلى إضراب عام، علاوة على تأثير الثورة الإيرانية على الحراك الإسلامي، وثورة الإحباطات التي تولدت بتأثير تراجع الأداء الحكومي مقارنة بثورة تطلعات الجزائريين لمرحلة ما بعد الاستقلال وتوجيه ثروة الشعب لمنفعة الشعب، كل هذه الاعتبارات حدت بالرئيس الجزائري آنذاك الشاذلي بن جديد بأن يجري سلسلة إصلاحات سياسية عبر عدة سنوات، انتهت بانتخابات 1990 المحلية وانتخابات 1991 النيابية، والتي زادت جميعها شعبية “جبهة الإنقاذ الإسلامية”، خاصة عقب الإجراءات الاستثنائية التي أعقبت محليات 1990.

ينظر الجزائريون لفترة “العشرية السوداء” وكأنها الفترة التي أدت لإحباط محاولات الإصلاح، ينظرون إلى القوى المسؤولة عن هذه المأساة باعتبارها قوى ينبغي التحوط لتداعيات انخراطها في مشهد الحراك.

وربما نجحت الدعاية التي عالجت الحرب الأهلية وما بعدها، فضلا عن نفوذ “حزب فرنسا”، على محدوديته، في وصم الإسلاميين بالمسؤولية عن انقطاع تجربة الإصلاحات التي بدأها الشاذلي بن جديد، بالرغم من أن المسؤولية تكمن في تصورات المؤسسة العسكرية التي ما زالت آنذاك تعج بما اصطلح على تسميته “ضباط فرنسا”، وكان أحدهم (الفريق إسماعيل العماري رئيس جهاز المخابرات الجزائرية) خلال فترة الانقلاب على انتخابات 1992، ما نسب إليه ضابط المخابرات الجزائري السابق محمد سمراوي قوله: “إني مُستعد لقتل ملايين الجزائريين إذا تطلب الأمر للمحافظة على النظام الذي يهدده الإسلاميون”، وعقب سمراوي على هذه الشهادة بقوله: “وأنا أشهد أنه كان في غاية الجدية”[23].

غير أن الفاعلين ينظرون لدور الإسلاميين باعتباره مغامرة بإعادة إنتاج نفس المأساة مجددا، ولعل هذا سبب طرد متظاهري حراك الجزائر للقيادي عبدالله جاب الله من الميدان في مطلع الحراك في مارس/آذار 2019[24]، كما تشير الباحثة داليا غانم – في نفس الإطار – في دراسة أعدتها لمركز “كارنيجي” – إلى ما جرى من تهميش عبد الرزاق مقري، الذي يقود الحزب الإسلامي الرئيس في الجزائر (حركة مجتمع السلم) حين جوبهت مبادرته لتطوير الحراك الجزائري بلا مبالاة الرأي العام. كما أقدم نشطاء بارزون في الحراك على زيارة القائد الثاني لـ”جبهة الإنقاذ الإسلامية” علي بلحاج في بيته، وجوبهت بنقد واتهام بخيانة الحراك[25].

عدم القدرة على التحرر من إرث الماضي ودعايته الثقيلة جعلا الحراك حتى هذه اللحظة بدون قيادة قادرة على النضال لأجل تحقيق أغراض هذا الحراك، وهو ما يرجع لعامل وسيط لا يمكن نكران أثره، حيث ما زال الاستقطاب سيد الموقف، وما زالت النخبة الجزائرية غير قادرة على بلورة قيادة تعبر عن بلورة وفاق، وهو وضع تشهده السودان راهنا كذلك.

ب. الجيش

كان لافتا أن القوات المسلحة الجزائرية لم تطلق الرصاص على الحراك، ولم تقتل جزائريا، وإن كانت قوات الأمن قد اعتقلت بعض الناشطين في الحراك، وقدم بعضهم للمحاكمة، وتلقوا أحكاما بالسجن، لكن خبرة الحرب الأهلية الجزائرية لم تجد طريقها لإعادة صبغ العلاقة بين الجيش الجزائري والحراك مجددا، أو حتى هذه اللحظة. وفي هذا الإطار، تجدر مناقشة قضيتين، أولاهما قضية “ضباط فرنسا”، وثانيهما سياسة تسليح الجيش الجزائري اليوم.

تعود قصة ضباط فرنسا لعهد حرب التحرير، والتي انتهت بحصول الجزائر على استقلالها إثرها في 5 يوليو/تموز 1962، وهي الحرب التي نجح خلالها مجموعة من الضباط الجزائريين الذين خدموا في الجيش الفرنسي أن يهربوا من الجيش الفرنسي إلى صفوف الجيش الجزائري، ومروا بترقيات واسعة وصلت بهم لأعلى المناصب العسكرية[26]، وينسب إليهم مراقبون للمشهد الجزائري إقالتهم للأخير (الشاذلي بن جديد)، إثر انتخابات 1991، والتي أتت بغالبية إسلامية لـ”المجلس الشعبي الوطني”، كما ينسبون لهم تهما بالفساد والدفاع عن مصالح فرنسا، ومنهم عدة ضباط تولوا رئاسة الأركان، واتهم أحدهم بالتجسس، ثم أغلقت شركة يملكها ابنه (لطفي نزار) تزود الجيش الجزائري بخدمة الاتصالات[27]، ما دفع الأخير لمغادرة الجزائر رفقة أخيه صوب والده المقيم بإسبانيا، والمدان بحكم إعدام في بلاده[28].

كما كان من بينهم من تولى رئاسة المخابرات الحربية بعد الانقلاب، كما تولى محمد الأمين مدين (الشهير بالجنرال توفيق) رئاسة دائرة الأمن والاستعلام (المخابرات العامة) بعد الانقلاب، وظل بها إلى أن ألقي القبض عليه في مايو 2019[29]، بعد 25 عاما قضاها في رئاسة جهاز المخابرات، ما جعله أقدم من الرئيس بوتفليقة (20 عاما في الحكم).

تخلص الجيش من هؤلاء القادة إما بالموت أو بالإحالة للتقاعد، وبقي نمط مصالح أشرنا إلى أحد ملامحه قبل أسطر من خلال “شركة أس أل سي” التي كان يملكها لطفي نزار، ابن رئيس الأركان الجزائري الأسبق خالد نزار. غير أن مجموعة كبيرة كهذه، مع طول فترة وجودهم في القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات، مع وجود آلية لضمان بقائهم وترقيهم ووصولهم لأرفع المناصب، لا يمكن القول بأنهم لم يتمكنوا من بناء “شبكة دولة عميقة” تؤمن مستقبل ذريتهم، وتحمي ظهور من تبقى منهم، وتؤكد على ترابط مسار الدولتين الفرنسية والجزائرية.

القضية الثانية تتعلق بنمط تسليح الجيش الجزائري، وسبق أن تناولنا طرفا من هذا المحور عند حديثنا عن نفوذ محور الثورة المضادة في الجزائر، ودور “وسيط” التسليح الإماراتي، وهو دور لافت بالنظر لقدرة الدولة الجزائرية على التفاوض بنفسها فيما يتعلق بمشتريات سلاحها، وهو ما يبقينا أمام احتمالات وجود وساطة إماراتية لتغطية عمليات فساد لا تجيزها القوانين الألمانية والفرنسية لشركاتها.

هذا المسار من الخطورة بحيث إنه يقوم بإخراج العلاقات الجزائرية الإماراتية من إطار كونها علاقات بين دولتين إلى طور آخر قوامه هيمنة محور الثورة المضادة على الجزائر عبر هيمنته على أولئك الذين يحتاجون وساطتها لتغطية أمارات تربح، وهو ما يعني تضاؤل قدرة الدولة الجزائرية على المناورة أمام وثائق إدانة محتملة لرؤوس المؤسسة العسكرية الجزائرية.

وعليه، فإن فحص صفقات شراء السلاح الجزائرية خلال السنوات الخمس الأخيرة، خاصة صفقات عام 2019 من شأنه أن يكشف عن توجه الدولة الجزائرية حيال “رؤى” محور الثورة المضادة خلال العقد القادم.

ج. الرئاسة

في 27 فبراير/شباط 2020، أقدم القضاء الجزائري على تبرئة خالد نجل الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، بالإضافة إلى قاضيين، من تهمة فساد في قضية ضمت رجل الأعمال كمال شيخي، ورئيس إحدى بلديات الجزائر، و”سائق المدير العام لجهاز الأمن الوطني” اللواء عبدالغني هامل، الذي أقاله الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة فور إعلان نبأ تورط سائقه في واقعة الفساد هذه من باب “استغلال النفوذ”[30].

جدير ذكره، أن رجل الأعمال كمال شيخي موضع تحقيق في تهمة الاتجار بالمخدرات كذلك[31]. القضية التي ما زالت قيد التحقيق القضائي لا يمكن اتهام نجل الرئيس بموجبها بعد تبرئته، لكن لا يمكن في نفس الوقت تجاهلها ضمن السياق العام الذي أدى بالجيش الجزائري لحماية ترشح “تبون” ومساندة فوزه[32]، رغم أنف الحراك الرافض لإجراء انتخابات رئاسية ترعاها “العصابة الحاكمة”[33]، خاصة وأن الحراك نفسه أرسل اتهاما لـ”تبون” بالاتجار في الكوكايين[34]، في إشارة لقضية “شيخي”، وتبقى القضية المفتوحة سيفا مسلطا على رقاب قادرة على الضغط معنويا على رأس السلطة الجزائرية الذي لم يعرف الانتخاب في حياته من قبل، واكتفى بمناصب “التعيين” وتنفيذ التوجيهات العليا.

وضع تبون وابنه يعيد للأذهان خبرة مصرية مماثلة بعد اتهام ابنة السياسي المصري حمدين صباحي بالنصب الإلكتروني[35]، وإرغامه إثر ذلك على المشاركة كمرشح في رئاسيات 2019 لإسباغ مشروعية على وصول عبدالفتاح السيسي قائد الانقلاب العسكري لسدة الحكم في مصر.

تبون الذي لم يخض انتخابات بحياته، واكتفى بأن يكون موضع انتقاء لتقلد 8 مناصب وزارية لم يدم أطولها عن عام ونصف العام مشوبا في إحداها بشبهة فساد “قضية الخليفة”، ليتولى منصب رئيس الوزارة كذلك قبل أن يقيله بوتفليقة بعد مرور أقل من 3 أشهر، ليستقر به الحال موظفا بدرجة “رئيس جمهورية”[36] بعد انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها أقل من 40%، حصل فيها على 58.1% من أصوات المشاركين[37]. ليبدأ معها الرحلة التي انتهت بحظر الحراك بسبب فيروس كورونا[38]، بعد أن أخفق في إقناع عموم الحراك بتأييده طيلة 3 أشهر.

لم يكن حظر الحراك الخطوة الوحيدة التي لجأ إليها “تبون”، بل يدخل في هذا الإطار ما حدث في الأسبوع الأول من حكم الرئيس الجديد رافقته حملة قمع طالت المتظاهرين في مدن غرب البلاد، واعتقال فنان في مدينة وهران عُرف بنشاطه في الحراك الشعبي[39].

أيضا “قانون تجريم خطاب الكراهية” الذي يراه مراقبون جزائريون موجها ضد رواد شبكات التواصل الاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني، لأنه يعالج قضايا عولجت في قوانين أخرى لم تتطرق لمواجهة المنصات الإعلامية الجديدة[40].

وفي القريب، من المتوقع أن يكشف الرئيس الجزائري عن نسخته الخاصة من الدستور، وبرغم أن النسخة كان من المفترض خروجها للنور في 12 مارس/آذار 2020، إلا أن الكشف عنها تأخر، ما يراه البعض تأثرا بظرف كورونا، فيما تشير الوعود بالتسلم خلال الأيام الأخيرة من نفس الشهر إلى حالة عدم رضاء من أجهزة الدولة عن بعض التعديلات، ما يعني أن الدستور المرتقب قد لا يكون مريحا للقوى السياسية الجزائرية.

د. القوى السياسية والقابلية للاستقطاب

من خلال تتبع وضع الحوار السياسي في الجزائر، يمكن القول بأن الجزائر ما زالت في مرحلة المرض العربي المزمن الذي يسميه الباحث “مشروع الخوف” الذي ينتج حالة من “القابلية للاستقطاب”، وهي ما يمكن الإشارة إليه عبر ما يلي:

1. مشاركة 40% من الجزائريين في الانتخابات الرئاسية، ورغم أنها أقل من النصف بنحو 10%، إلا أنها نسبة يمكن البناء عليها مع عدم تكتل النسبة المتبقية بين الجزائريين خلف مرجعية واحدة، بالنظر لاعتبار تمركز نسبة الـ40% على مرجعية الدولة[41].

2. ارتفاع حدة التراشق السياسي ذي الخلفية الثقافية مع احتداد مفردات القاموس المستخدم في هذا التراشق على نحو ما بدا في قضية “ذكرى رمضان عبان”، والتي عملت على إثرها السلطات الجزائرية لإيداع الشاعر رابح ظريف رهن الحبس المؤقت بسبب تدوينة على فيسبوك اتهم فيها أحد قيادات الثورة البارزين بالخيانة والعمالة لفرنسا، ثم إنهاء وظيفته العمومية، وتوجيه “جنحة الإضرار بالمصلحة الوطنية والمساس بسلامة وحدة الوطن” إليه[42].

3. طرد قادة إسلاميين من ميادين الحراك يمثل أحد مظاهر هذا الاستقطاب مثل عبدالله جاب الله، وتهميش مبادرة عبدالرزاق المقري ومهاجمة زيارة بلحاج، حتى وإن كانت هذه الحدة معتبرا كبنية هامشية للاستقطاب. فيبدو هنا خطاب الاستقطاب وكأنه يعكس انسياقا خلف دعاية تاريخية تهدف إلى بناء استقطاب مزمن قابل للتجدد عبر الزمن بالاستناد لفظائع اقترفتها النخبة العسكرية الجزائرية بحق أبناء الوطن الجزائري.

إن عدم وضوح الصورة الحقيقية للتاريخ يعني تبني دعاية أجهزة المخابرات الجزائرية، مع إمكانية البناء عليها لتهميش قطاع جماهيري واسع. وإضافة لهذا، فإن هكذا إجراء ربما يؤدي لاستقواء التيارات الداعية للتغيير على بعضها البعض، ما يدفع كليهما للارتماء في مربع الدولة للاستقواء على الآخر أو مكايدته، وهو ما يصب في مربع عودة الدولة الجزائرية القديمة.

طبيعي في إطار هكذا سمات أن نلحظ تقدم مشروع الدولة وتراجع مشروع الحراك. فمع مشهد طرد جاب الله وتهميش المقري نلمس نجاح الجيش الجزائري في فرض استمرار ابن صالح حتى تمرير مشروع الانتخابات الرئاسية، الذي انتهى بنجاح “تبون”، ومع حادث “ذكرى رمضان عبان” نجد السلطة تمعن في إحكام قبضتها مجددا وتصدر قانون تجريم خطاب الكراهية الذي يمثل قيدا جديدا على حريات التعبير.

ومع الانقسام الجماهيري حيال الخيارات السياسية الرئيسية كالانتخابات والدستور، وجدنا المؤسسة العسكرية تعلن مباركة خطوات الرئيس الجديد في افتتاحية “مجلة الجيش”[43]، وهو ما يعني أن فرص معاودة الحراك يمكن أن تكون محل مراجعة من الدولة.

خاتمة

من خلال محاور الدراسة، يمكن أن نخلص إلى سمات للحوار وتقديم رؤية نقدية له، هذه السمات تتمثل فيما يلي:

أ. تعميق الأمراض الحزبية جماهيريا: لا يمكن إغفال نضالية الشارع الجزائري الذي داوم على الحراك مدة جاوزت العام، كان فيها الجزائريون ينزلون للشارع مرتين أسبوعيا، يومي الجمعة والثلاثاء، لكن طول الأمد لم يمثل سوى مصدر لكسب النخبة القديمة الوقت لإعادة إنتاج نفسها.

هذه الاستمرارية يمكن مقارنتها باستمرار التجربة الحزبية الجزائرية طيلة 4 عقود مع حمل أمراض الاستقطاب التي جعلت منها تجربة حزبية صورية لم تؤد إلا إلى إعادة إنتاج نفس النمط الحاكم عبر صورة شخصية مختلفة. ومن أهم الأمراض الحزبية التي انتقلت للشارع مرض الاستقطاب الثقافي – السياسي.

ب. الوعي الجامد: لا شك كذلك في أن الحراك حمل حالة من الوعي مكنته من أن يحافظ على مساره بمأمن من أمرين خطرين، أولهما الانزلاق للعنف، وثانيهما الظهور بمظهر الهادم لأحد أو بعض أعمدة الدولة.

لكن هذا الوعي نفسه لم يمكن الجزائريين من تحقيق خطوة أبعد مما سمحت به الدولة التي أرادت أن تجدد شبابها بالخروج من عباءة رئيس مسن مقعد إلى عباءة آخر مسن لكنه ليس مقعدا، يمثل صورة أفضل من سابقه، مع فتح الباب أمام تجديد دماء النخبة الحاكمة بين رموز حكمت لفترة تتراوح ما بين 20 و25 عاما (بوتفليقة والجنرال توفيق) باتجاه رموز نخبوية تريد أن تكون في بؤرة السلطة، وراكمت ما يكفي من القوة للحلول محل الرموز القديمة.

ومع تقييم حصاد هذا الوعي نجده مثل سقفا منخفضا ظل الحراك يرزح تحته من دون تجدد أو تطوير رؤية، فلم يتجاوز كونه وعيا إستاتيكيا جامدا، أدرك المخاطر فتحوط لها، لكن قياداته لم تنجح في مراكمة آليات لنقل هذا الوعي باتجاه مربع الفاعلية.

ج. السلمية السلبية: من أهم سمات حراك الجزائر أنه اتسم بالسلمية الضرورية لإنجاحه كحراك جماهيري، لكن هذه السلمية كانت سلبية بما سمح بمنتهى السلاسة للنخبة القديمة باعتقال كل ناشط باحث عن تطوير حراك الجزائر، ونقله من مربع “الحركة” إلى مربع المشروع، بما بين المصطلحين من مسافة تبدأ مع الحركة بنشاط إستاتيكي إلى المشروع كنشاط غائي، وكان الإفراج عن هؤلاء المعتقلين أقصى ما استجابته السلطة للحراك بعد التخلص من شخصي “بوتفليقة” و”بلعيز” (الطيب بلعيز ترأس المجلس الدستوري).

د. التكتل الكمي لا النوعي: حضر الحراك فئات مختلفة من الجزائريين، جهويا ومهنيا ونوعيا وثقافيا، ومثل الحضور جمعا عدديا غفيرا، لكنه كان كما بدون فاعلية، إذ حضر الجميع بتبايناتهم. ورغم أن هذه التباينات اجتمعت على تغيير “العصابة”، والذي يعني تغيير رموز النخبة المركزية الحاكمة “يتنحوا فاع (شعار الحراك ويعني يتنحوا جميعا)”، إلا أن التباينات “غير المعالجة” أنتجت حالة من “القابلية للاحتواء” المبنية على “القابلية للاستقطاب”، وهو ما يفسر تمكن المؤسسة العسكرية من تمرير مشروع استمرار أحد الباءات لحين تمرير مؤسسة الرئاسة لوجه جديد متمثل في رئيس “موظف” يمكن السيطرة عليه.

هـ. التنظيم الشعبي الفائق: كانت هذه السمة أهم السمات الإيجابية للحراك، والتي حالت دون أن يتم تفتيته أو استغلاله في إطار صراع الأجنحة الذي نشب بين فريق يرغب في تحجيم الحراك مع عدم الإضرار به، وفريق آخر من النخبة الجزائرية أراد أن يدفع الحراك باتجاه “عشرية جديدة”، ما يجعل آمال الانعتاق السياسي محظورا مستقبليا تتهدده تجربتان تاريخيتان من العنف الأهلي واسع النطاق.

الاعتبارات السلبية الأربعة الأولى مردها إلى غياب مشروع حواري من شأنه أن ينتج حالة توافق على “سلسلة قيادة” يحملها إجماع وطني لا يمكن التعبئة ضده لاعتبارات تاريخية، منها اعتبار رفض “الأشقاء الفرنسيين” الذي أدى للعشرية الأولى.

ورغم الوعي النموذجي للإسلاميين الذين نجحوا في ضبط قواعدهم، والحيلولة دون اتهام الحراك وشيطنته، إلا أن نمط الوعي هذا كان جامدا، شأنه شأن عموم الحراك الجزائري، إذ لم ينجح الإسلاميون في تطويره إلى حالة توافق جديدة على أولويات وطنية مجمع عليها فعليا، يحملها ويلتزم بها فريق علماني يحظى بمساندة إسلامية، ويكون هدفه نقل الجزائر لمربع قوامه قيمتان، أولاهما الحرية والتعددية السياسية الحقيقية، وثانيهما المسؤولية عن استمرار هذا التوافق عبر صيغ للتعايش من دون الإضرار بـ”أنماط الحياة المتعددة” التي يحتاجها كل الجزائريين، هذه الصيغ التي يمكن ابتكارها من خلال الحوار. ويمكن التأكيد باطمئنان على أن السمات المستقبلية للحراك لن تشهد تغيرا ما لم تسايره حركة نخبوية تطمئن هذا الحراك على مستوى النضج الذي تتسم به قيادته.

المصدر :صحيفة الاستقلال الجزائرية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *