كورونا يفتح باب الزواج أمام الشباب الموريتاني/أموه أحمدنـاه

كثيرا ما شكلت الأعباء والتكاليف الباهظة أحد الأهم الأسباب وراء عزوف الشباب الموريتاني عن الزواج،في ظل ارتفاع أرقام البطالة ومحدودية فرص العمل المتاحة،الأمر الذي أسهم بشكل كبير في انتشار العنوسة بين صفوف الفتيات الموريتانيات،حيث تشير الإحصائيات الدولية لبلوغها في عام ألفين وتسعة عشر نسبة 42% ،غير أن جائحة كورونا التي فرضت التباعد الاجتماعي وحظر التجول حملت معها ما لم يكن في الحسبان،يقول عبد الرحمن أحد الشباب الذين تزوجوا مع انتشار كوفيد في موريتانيا:
“سأسمي ما حدث انتهاز الفرصة،نعم هو كذلك بكل تأكيد،ومثل هذه الفرص قد لا تتكرر في العمر،فعندما جلب معه كورونا ما جلب من قيود وقواعد أصبحت المنظم لحياة الناس،وجدت أنه الوقت المناسب بعد التخلص من بعض الأعباء التي أثقلت كواهل الشباب لردح طويل من الزمن،ولذلك فقد أخذت القرار الفاصل وعمت السكينة إلى حد ما الأجواء العامة،تعلمون أن الواحد كان يخاف أفراد أسرته فكيف بالآخرين،لذلك فالحضور طبعته النسبية،واقتصر على المقربين من الأهل والأصدقاء،وأستطيع أن أقول الآن أن تكاليف الزواج في كورونا متباينة إلى حد كبير مع تكاليفه قبله أو بعده،وللشباب -كان الله في عونهم- عند الأيام القادمة الخبر اليقين”.

دواعي الاحتراز مخافة الإصابة بالفيروس،والحرص على عدم مخالطة الآخرين،ثم التسابق مع توقيت حظر التجول عوامل غيرت طقوس الزواج الموريتاني،فالصخب والحفلات وما كان يرافق ذلك من إنفاق اختفى،ولم تعد المراسيم تستغرق كثيرا،الأمر الذي أسقط تكاليف لم يكن الزواج ليتم دونها،وهي أمور من بين أخرى ساقتها الأقدار للعريس محمد سالم،وهو الذي ابتسمت له الأيام وفق تعبيره حيث يقول:
“الإقبال على الزواج في فترة كورونا كان مجرد صدفة لأصدقكم الخبر،حيث قررت سابقا فعله في الفترة التي شاء الله أن ينتشر قبلها الفيروس بفترة قصيرة،وكنت أعددت دراسة أحطت من خلالها بمجموع التكاليف،وبفعل الوباء فقد اختفت بعض المصاريف،الأمر الذي أسهم من الناحية الاقتصادية كثيرا،وساعدني في ادخار تلك المبالغ لأجل وقت لاحق،لذلك أستطيع أن أقول بأن الزواج في ذروة كورونا عبارة عن مساعدة اجتماعية إن جاز التعبير ساقتها الأقدار للذين أراد الله لهم الزواج،وكما تعلمون فكثير من الشباب تقف هذه التكاليف بينه وبين إكمال نصف دينه”.

الوضعية التي أصبح الزواج يحدث فيها كانت كغشاوة على البصر تحجب عن المقبلين عليه ما يمر به الاقتصاد بشكل عام،حيث عرفت المواد الغذائية على سبيل التبيان ارتفاعا ملحوظا في الأسعار،وفقد الكثيرون أعمالهم،ومع ذلك فقد لوحظ ارتفاع حالات الزواج عند الشباب،وعن الأمر يتحدث عبدو قائلا:
“لا يخفى على أحد ما يواجه الشباب الموريتاني في سبيل الزواج،فالتكاليف قد بلغت عنان السماء،وبالتالي لم يعد متاحا أمام الجميع،لا يستطيع الإقدام عليه إلا من استطاع لذلك سبيلا،لذلك فقد كان كورونا فرصة للتخلص ولو لفترة من هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان،العادات والتقاليد التي آن الأوان لتصبح من الماضي،وإن كان كورونا قد فعل فعلته بالعالم من توقف الأنشطة إلى غير ذلك،فإن هذه النقطة بالتحديد تحسب له،يعلم ذلك من عرف التبذير الذي كان يحدث في المناسبات الاجتماعية قبل كورونا،ومن وقف على الطريقة الجديدة والظروف التي أصبحت تحدث فيها المناسبات”.

الباحث الاجتماعي محمدو محمد يتحدث عن الموضوع قائلا:
“كورونا ساعد لاشك في خفض التكلفة العامة للزواج وسهل الوصول للجانب الآخر من الحياة،حياة الارتباط والزواج،وهناك مسألة مهمة يجب أن نشير إليها وهي أن المرأة والشاب إلى حد ما باتا على دراية تامة بأن الحاجز الأكبر أمام الزواج هو ما يرافقه من طقوس،إلى جانب قوة القاعدة الاجتماعية التي تفرض التفاخر والتباهي أمام الآخرين،حيث يصبح من لم يتكبدوا عناء الكثير من التكاليف مجالا للسخرية،وهذا ما يعد أحد أكبر العوائق أمام الإقبال على الزواج،وعموما فإن كوفيـد قد كان وراء تسجيل الكثير من حالات الزواج”.

عندما كان قطار الحياة يعبر بمجموعة من الشباب صوب الأيام المنشودة التي تاقوا إليها كثيرا،فإن قطارا مغايرا كان يعبر من سكة أخرى باتجاه الطلاق،ولم يكن الركاب سوى أسر لم تكن ذات يوم شيئا مذكورا،وهاهم أفرادها يعبرون سريعا صوب الانفصال،بفعل حالات العنف المتزايد تزامنا مع كوفيد وحظر التجول الذي فرضته الحكومة الموريتانية للوقوف دون تفشي الوباء بين صفوف المواطنين،وهو الأمر الذي تتحدث عنه المحامية عيش السالمة المصطفى قائلة:
“لئن كان كورونا قد ساعد في التخفيف من أعباء الزواج،فإنه كان أيضا عاملا رئيسيا وراء زيادة مخيفة في حالات العنف الأسري والطلاق،نظرا للمشاكل الاقتصادية التي نتجت عن نفس أزمة كوفيد،فالكثير من الأشخاص وجدوا أنفسهم بلا عمل،ثم انحسرت الأنشطة المدرة للدخل وكاد تختفي من الوجود،وينضاف لما سبق غلاء المعيشة الذي أسهم في خلق نوع من التوتر داخل العائلات،الأمر الذي أدى للعديد من حالات الطلاق”.

أسهم كورونا في التخفيف من التكاليف التي كانت تقف حجر عثرة في طريق الشباب الموريتاني صوب الزواج،لكن ذلك الإسهام يبقى محدودا يقول مراقبون،ولذة الظفر به قد تزول بعد أشهر قليلة من الحياة الزوجية.

تم نشر هذا التقرير بدعم من JHR/JDH – صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *