الظروف…أجبرت قريشية على بيع الكسكس بدل الدراسة / محمد محمود السيد يوسف

على حافة رصيف شارع الطينطان التابع لمقاطعة تيارت بالعاصمة نواكشوط،وتحديدا عند ملتقى طرق “بدر” تجلس قريشية بنت عبد الفتاح البالغة من العمر12عاما،كلّ ليلة لبيع الكسكس،قادمة من حيّ المشروع ،معلنة بذلك المنافسة مع البائعات، اللواتي في عمر والدتها .
قريشية ترى أن بيعها للكسكس،طريقة لمساعدة والديها في الظروف الحالية،وخاصة بعد تعرض والدها لوعكة الصحية ألمت به مؤخرا.

تقول قريشية:
“أبيع الكسكس منذ عام ،حين ذهبت أمّي إلى البادية لممارضة والدي.
أحضّره أنا وشقيقتي الكبرى في النهار بمسكننا في المشروع،وبعد المغرب، أذهب به إلى شارع الطينطان،فهناك كانت تبيع والدتي .”

وتضيف قريشية:
“عند منتصف الليل أعود إلى مسكني حيث أقيم مع شقيقتي الكبرى،أحيانا أتقاضى لليلة الواحدة 1500قديمة،وإذا كان الإقبال كبيرا فإنني أجني 2000أوقية قديمة لليلة الواحدة،وهذا مبلغ كبير بالنسبة لي.”

بيع قريشية للكسكس حتى في وقت متأخر من الليل،جعل بعض الزبائن يسألها عن ارتيادها للمدارس بدل العمل.
أمر ،جعل غريزة التعلق بالدراسة تصحو من جديد في داخلها،وحاولت اللحاق بإحدى المدارس،لكن المحاولة باءت بالفشل.

تقول قريشية:
“درست السنة الأولى من الإبتدائية،وحين تعرض والدي لوعكة صحيّة،انقطعت عن الدراسة حتّى الآن؛لأن والدتي ذهبت مع والدي إلى البادية،وفرضت علي الظروف التفرغ لبيع الكسكس.
كان بعض الزبناء يسألني عن مستواي الدراسي،وجعلني هذا الأمر أن أفكر في العودة إلى مقاعد الدّراسة،ذهبت إلى أحدى المدارس،وطلبوا مني حضور وكيلي وأوراقي المدنية.
والداي ليسا هنا ولا أعتقد أن لدي أوراق تخولني للتسجيل في المدارس،لذا فشلت تلك المحاولة.”

عمل قريشية وعزوفها عن الدراسة يراه القانوني الأستاذ والمحامي محمد ولد مسعود أنهما من الجهود التي يجب بذلها للتحسيس حول خطورتهما فهذا الجانب من واجبات السلطة السياسية التي تملك وسائل التحسيس وسلطة الأكراه ووسائل التشجيع.

ويقول بشكل عام عن مخاطر عمل القاصرات وعدم ذهابن إلى المدارس من منظوره القانوني:

“في الحقيقة إن المشرع الموريتاني كان حريصا على حماية الأطفال
والمبدأ المنصوص عليه في قانون الشغل الموريتاني في مادته 153 انه لا يجوز تشغيل الأطفال في اية مؤسسة قبل سن 14 إلا أنه يرد استثناء على الطفل الذى بلغ 12 سنة إذ يجوز تشغيله في المنشآت التي يستخدم فيها أحد أفراد أسرهم لكن هذا الاستثناء مقيد بشرطين أولهما ترخيص صريح من الممثل الشرعي للطفل وثانيهما أن لايكون هذا الاستثناء فيه انتهاك للقواعد المتعلقة باجبارية التعليم كما نصت المادة 60من قانون الحماية الجنائية للطفل

ويضيف المحامي:
“بخصوص رأيي الشخصي حول عمل الفتيات فهو فضلا عن كونه قليل المردودية المادية إذ لا يسمن ولايغنى من جوع فهو إضافة إلى ذلك يساهم في الابتعاد عن التمدرس، وبالتالي يساهم في تكريس الجهل في طبقات عريضة من هذا المجتمع مما يعيق تنمية وازدهار هذا البلد إذ بغير العلم لاتقدم ولا ازدهار .”

ماتفعله قريشية وحدها مقارنة مع عمرها،استنكره الحقوقيون،ويطالبون الجهات المعنية بالتدخل للقضاء على هذه الظاهرة كأمثال الحقوقية مكفولة منت إبراهيم.
تقول مكفولة عن وضعية قريشية:
” عمالة الفتاة القاصرة محرم قانونا ونتيجته وخيمة علي المجتمع فالفتاة هي أمّ مستقبلا إن أعددتها أعددت شعبا قادرا علي مسايرة الظروف وإن حولتها إلى عاملة وهي بعد قاصرا خربت مستقبل أمة ولم تحترم القانون العالمي لحقوق الطفل الذي وقعت عليه موريتانيا.”

قريشية لم تتأثر بجائحة كورونا عكس القطاعات الحرة الأخرى،فقد انعكست عليها إيجابيا،كما حدث مع جميع بائعات الكسكس .
تقول بائعة الكسكس أم الخيري منت سيدي:

“في زمن كورونا وخلال موجاته الثلاث، انتعش بيع الكسكس هنا،فالزبائن كانوا يتسابقون لشرائه قبل موعد حظر التجوال، وكنا نبيع جميع ما أعددناه من الكسكس.

أما حاليا فبيع الكسكس متوسط الدخل وكذلك الإقبال.
أحيانا نعود للمنزل في وقت متأخر،ومازال لدينا الكثير من الكسكس.”

عمالة قريشية في هذه السن بدل الذهاب إلى الدراسة،ليست الوحيدة من نوعها، فهناك فتيات في مثل عمرها ينتشرن في ملتقيات الطرق كل يوم لبيع المثلجات.
ظاهرة تستدعي تحرك الجهات المعنية للقضاء عليها في أسرع وقت كما يقول الحقوقيون.

تم نشر هذه المادة بدعم من JDH/JHR-صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *